محمد علي دبوز والمنهج الإسلامي لكتابة التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٥٢أبناء الرافعي، وكان الرافعي يسكن في الطبقة الثالثة من الدار، وقد أراني الدكتور محمد شرفة مكتب الرافعي، وقد وقفت أمام الدار ساعة وأنا أتأمل الدار التي انشأت لنا أعظم عبقرية تفتخر بها العربية والإسلام والشرفة التي كان بصر فيها قلم كان منبع النور والنار ومطلع أدب لا زال شمسا في كبد السماء لا يكسفه الزمن فيرى من النجوم لأنه سلالة القرآن أورثها خلوده في الرفعة لا يتنزل منها! كان الرافعي يستطيع بجلده وحزمه وذكائه أن يكون من أرباب القصور وأصحاب البذخ والثراء ولكنه أثر المعنى على المادة فتجرد
منها للعلم والأدب ينصرهما بكل جهوده فمات رحمه الله عن قصور في الأدب شامخات احتله في عالم الخلود وسطرت إسمه بالنور في سجل
الزمان اسعف فبقيت الدار في أسرة الرافعي وبقي مكتب الرافعي فيها على حاله كما بقى مكتب سعد زغلول وداره آثارا تردد تاريخه، وتشاهد فيها الأجيال معالمه، ليت مصر التي رفعها الرافعي في القلوب أكثر من سعد، وتفانى في مجدها أكثر من سعد، وترك لنا كنوزا خالدة لا تقدر بقيمة أكثر مما ترك لها سعد) عرفت واجبها لهذا الرجل العظيم فأبقت داره دارا للعلم في طنطا يؤمها الباحثون والسواح للتزود من مكتبته ومشاهدة آثاره، مات الرافعي ولم يضع لبنة على لبنة ليترك لأبنائه نشبا. ولكنه ترك لهم أدبا ومجدا تليدا أسكنهم قلوب الخاصة الماجدة من العالم الإسلامي، وملكهم الأفئدة الطاهرة العبقرية من الأمم العربية، فحسبهم به تراثا لم يتركه ذوو
المجاهدين الأبرار بدينهم ولغتهم، انه لم يضر الرافعي شيئا سكناه في الأطيان لاعقابهم. وكنت وأنا أدخل بيت الدكتور محمد أشعر أنني
أدخل في داري، وكنت أحدثه وأنا أراه زميلا قديما وشخصا هو جزء من نفسي. لماذا؟ لأن أباه غرسه في أعماقي وفي أعماق كل مثقف في المغرب والمشرق يعرف اللباب في الأدب ويغرم به. وكانت الشمس محرقة تحت شرفة الرافعي التي ذهلت فيها عن نفسي فأشفق الدكتور محمد فاجتذبني من ذراعي فركبنا سيارته فأم بي مرقد الرافعي لأقف على قبره الكريم مادة
بيت قديم لأن الاحساس بالروح وهو منه في سماء الأدب والعلم يسبح في نجومها، وما يورث السعادة للإنسان هو المثل الأعلى الذي يصله فمحل تحقيقه هو الجنة عنده وكان هذا البيت هو الجنة الفيحاء عند الرافعي فيه تجلى عليه عرائس الشعر والبيان في كل يوم في كتابته وقراءته، وهو المدرسة التي بنت دينه ونفسه. وعقله بالبيئة الطاهرة المغرمة بالعلم والمعالي، وهو مصدر سعادته بحنان وحب الأسرة التي كان لها ابنا والأسرة الثانية التي كان لها أبا. انه بيت هو الأفق الصافي الذي يطلع للدنيا شموسها، وأرى أن الرافعي كان يتمهل في خطواته كل ما دنا من دراه اجلالا لهذه المعاني السامية التي تحتوي عليها هذه الدار العظيمة. وقد اكتفينا بمشاهدة الدار من الخارج فلم نستطع الدخول إنها ملك لأناس آخرين غير أسرة الرافعي، ليت الزيارة قبر الرافعي.
وفي طريقنا الى مقبرة الرافعي التقينا بالأستاذ سعيد الرافعي أحد تلاميذ الرافعي ومريديه الذين لازموه وعرفوا أبناءه وسيرته في حياته الخاصة. والأستاذ سعيد ابن عم الرافعي، هو الآن مدرس اللغة الفرنسية في مدرسة ثانوية في طنطا فركب معنا السيارة
- 101 -
100 -