الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٣٣كان السلطان تيمور بن فيصل يعامله كما قال للمستعمرين عند اعتراضهم لدخول الباروني إلى عمان وهو ما معناه (إنه صديق لي وفوق ذلك من أعز اصدقاء والدي فلا سبيل إلى إغلاق الأبواب (دونه. وأسكنه ألطف (فيلا) في ضواحي مدينة مسقط، يحيط بها بستان كبير وتعرش على شرفته الورود والرياحين الزكية، وهو القصر - أو الفيلا التي نزلنا بها فيما بعد عند وصولنا لوالدي. ورغم انتقاله إلى القطر الداخلي - جانب الامامة، فقد اتبع السلطان الشاب سنة أبيه في ذلك، أما أبي فكان يذكر سويعات السيد تيمور الأخوية بتحسر و مقت للأعداء.
-
عزم
بعد حوالي سنتين من وصوله إلى القطر العماني، وبعد أن حاول الخروج فيئس من الوعود التي يحبطها الاستعمار ولو للاستشفاء في أقرب البلدان الموالية لهم و كأنه حز في نفوسهم - أعني المستعمر - ما استقبل به من أخوة تفيض حرارة كأنها لم تسمع لذلك الترصد الظالم أو تصغي إليه، وبعد أن أعجزته (الملاريا) عن الكثير مما انبعثت له حقائقه، وقد وجد أحباباً وأهلا لا يزالون يذكرون) الشيخ الباروني) كفرد منهم - بعد ذلك كله على تحقيق أمنية من أمانيه الا وهي صعود) مزون (الأشم - الجبل الأخضر، فتهيأ لذلك، فوصل نزوى من جديد فتخلف هناك كل أصحابه ورفاقه الشيوخ بل حتى الكهول، فتقدم صحبة جماعة أغلبهم شباب، فصعد الجبل راجلاً لصعوبة الطرق بل إنها معدومة في الواقع، فتعرف على القرى والغابات طول الطريق. ولا أدري كم يوما قضاها في ذلك حتى بلغ القمة الشماء، كما كان يقول معجباً فكأنه يرى فيها شمم العروبة و الاسلام. ولكن هناك، نعم هناك وفي محراب قديم، وفي هدأة الليل أنشد أبياته الرقيقة - عندي - والتي قلت له مرة وهو يذكر جمال الطبيعة في تلك القمة انها أرق ما رأيت لك من شعر، فهل أحسست بوحشة إلى ذلك الحد؟) فقال في هدوء: (في الواقع إن تلك السياحة كانت أمنيتي، ولكن لأمر ما وجدت نفسي وحيداً، قريباً من السرمدية، فتملكني الحنين على صورة لم يتملكني قط، حتى وأنا في في أسر أوروبا، ولم انم حتى طلعت الشمس، فطلبت النزول
هي
والرجوع من حيث أتينا. فاستغرب الشباب الذين معي وقد ظنوا أني سوف لا أتركه بسرعة، على الأقل الأسبوع، ولكن لم أقبل منهم. فنزلنا ذلك الدرب الشاق فكأني سأجد الوطن عند سفوحه.) ثم استدرك (مسقط الرأس). وهذه الأبيات التى لا تزال وريقاتها الصغيرة المصفرة تعيش في أمان فكأنها تقول) أين هو؟ أين هو ليكرر الحقيقة التي أنطقته بي؟؟) فجوابي دائماً أمام أمثالها ولنفسي، إنا لله وإنا إليه راجعون، رحمه الله، أيتها الوريقات القديمة التي أكاد أشتم منها ذلك العبير الذي وصفه، ولا شك سطرك هناك وشطب وبدل هناك، والرفاق نيام، بعيداً عنه حتى لا يقلقوا الشاعرية
قلت مرتجلاً وأنا في قمة الجبل 16 ربيع الأنور 1344:
بسحاب
في جانب الحمراء طود شامخ متمنطق متعمم يمت قمته الرفيعة راجلاً وسجدت للخلاق في محراب ومع الأثير بعثت منه تحيتي الجميع من في الأرض من أحبابي ومع الشعاع رفعت صاعدة إلى عرش الإله مطالبي ومثابي أرجو من المولى قبول جميعها وشمول كل أقاربي وصحابي
وقلت:
آمين
أصفى المياه شربت أعلى قمة فوق السحاب إلى السماء قريبه
فيها الرياحين الذكية أعبقت
ومناظر الاشجار فيها غريبه
(1)
(1) وفي ورقة ثانية يقول (ومناظر للعلعلان) غريبة (كما جعل بدل (منقح)
مطهر في البيت التالي.
- 237 -
- 236 -