الربيع بن حبيب محدثا وفقيها
الجزء ١ · صفحة ١٠٦فانتظر سواد الليل وقال: وأتبوأ أي نسائكم شئت. فقلنا عهدنا برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحرّم الزنا!! فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم غضبا شديدا لم أر أشد منه ثم قال: يا فلان: ويا فلان: اذهبا إليه فإن أدركتماه فاقتلاه وأحرقاه، ثم قال: لا أراكما تأتيانه إلا وقد كفيتماه» قال: فخرج في ليلة مطيرة ليقضي حاجته فلدغته حية فقتلته، فأحرقه الرسولان، فلذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار"
(50)
هذا ولعل الذي جعل أبا عمرو الربيع بن حبيب يقصر جهوده في تدوين الحديث النبوي الشريف والفقه على أشياخه من أهل الدعوة دون غيرهم من محدثي الأمة وفقهائها، إنما يرجع - في نظر الباحث - إلى عوامل ربما كانت وليدة لتلك الظروف والملابسات التي واكبت حياته التي امتدت طيلة زمن ازدهار الدولة الأموية حتى ضعفها وانهيارها، ومدة نشوء الحركة العباسية سرا إلى إعلانها ثم قيامها دولة، وتعاظمها نفوذا واتساعا، واكتمال نشاطها فكرا وسياسة، وما نجم عن ذلك كله من صراع حزبي سياسي، واتجاهات أيديولوجية وتحلية، جعلت المسلمين ينقسمون على أنفسهم شيعا وطوائف تتعصب كل فرقة منها لأتباعها طريقة ومذهبا، فهؤلاء سنية، وأولئك معتزلة، وتلك شيعة، وغيرهم خوارج، وأصبح كل فريق لا يعتد بآراء الآخر، ولا يقبل أحاديث جاءت من غير أتباع فرقته إلا النادر القليل الشاذ، وذلك عندما كثر الوضع وفشا الكذب والاختلاق، وتجرأ المتعصبون لأحزابهم السياسية، وشيعهم النحلية أن يضعوا أحاديث نسبوها إلى وسول الله صلى الله عليه وسلم تؤيد ما يعتقدون، وتناصر من يكرهون.
(49) پافلان او يا فلان، هما: أبو بكر وعمر رضي الله عنها لا جاء عن الطبراني في الأوسط عن عبد الله بن عمرو بن
العاص.
(50) أبو عمرو الربيع بن حبيب بن عمرو الأزدي البصري، مصدر سابق، ج 2، ص 191 - 192.
إن هذه العوامل تتمثل فيما يلي 1 - تخليص الحديث النبوي الشريف، والسنة المطهرة من شوائب الوضع، وأدران الكذب والاختلاق، ولا يمكن أن يطمئن الربيع من ذلك إلا إذا أخذ عن الثقات الذين لا يتعمدون الكذب مطلقا ويعتقدونه كبيرة حتى على غير رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكيف به إذا كان عليه صلى الله عليه وسلم وهو القائل: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" وأشياخه من الإباضية هم الذين يرون ذلك ويعتقدونه، فكان أولى له أن يحدث عنهم، وبدون ماجاء من طريقتهم.
(31)
2 - معاملة علماء غير الإباضية بالمثل، حيث إنهم يرون الخوارج مبتدعة - ويعتقدون أن الإباضية منهم - ولا ينبغي أن تروى عنهم أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو أن يعتمد على إسنادهم، إلا ما كان من الإمامين: مالك والبخاري اللذين رويا عن بعضهم، ولكنها عوتبا عما فعلا. فقد قيل لمالك: كيف رويت عن داود بن الحصين، وثور بن زيد، وذكر غيرهما؟ فقال: «لأن يخروا من السماء إلى الأرض أسهل عليهم من أن يكذبوا. لذلك اقتصر الربيع في روايته مشائخه من أهل الدعوة (الإباضية) 3 - تجنب الأحاديث التي خرجت بعد الفتنة الكبرى، أو التي اشترك رواتها في الفتنة، بمعنى. أن الصحابة كلهم عدول إلى زمن الفتنة. وأما بعد الفتنة فهم كغيرهم يخضعون إلى الجرح والتعديل، وفي هذا المعنى يقول الإمام
السالمي:
عن
(52)
الصحابي فقيل عدل وقيل مثل غيره والفصل بأنه دل إلى حين الفتن وبعـ كغيره فليتحن ليس هناك لأبي عمرو الربيع بن حبيب شرط وضعه في تلقيه للحديث
(51) أبو عمرو الربيع بن حبيب بن عمرو الأزدي البصري، مصدر سابق، ج 2، ص 191 - 192. (52) أبو عمرو يوسف بن عبد البر، مرجع سابق، ج 2، ص 310
-197 -
-196 -