الربيع بن حبيب محدثا وفقيها
الجزء ١ · صفحة ١٠٧النبوي الشريف أو يمكننا استنباطه من لفظ ما ورد في مسنده من أحاديث كشرط الإمام البخاري ومسلم وغيرهما من أئمة الحديث. فإن ما رواه دونه في مسنده كان جله قد أخذه مشافهة ومباشرة من شيخه أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة عن شيخها أبي الشعثاء جابر بن زيد عن الصحابي، وهذا النوع من التحمل هو ما يسمى عند علماء مصطلح الحديث بالسماع) من لفظ الشيخ إملاء
أو تحديثا، أو من حفظه أو كتابه. وهو أعلى درجات التحمل عندهم. ولذلك جاءت سلسلة إسناده الثلاثية ذهبية، لأنها قصيرة، وقريبة الاتصال بالنبع المحمدي الصافي، ولشهرة رجالها بقوة الحفظ والضبط، وكمال الصدق والصيانة والأمانة. وفي هذا الخصوص يقول المرحوم الأستاذ عز الدين التنوخي في معرض حديثه عن رتب الحديث الصحيح في مقدمة الجزء الثالث من شرح الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب:
إن رتب الصحيح تتفاوت تفاوت الأوصاف المقتضية للتصحيح، وأن من المرتبة العليا ما أطلق عليه بعض رجال الحديث أنه أصح الأسانيد الثلاثية، كسند الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه. وسند إبراهيم النخعي عن علقمة عن ابن مسعود، وسند مالك عن نافع عن ابن عمر، وهو قول: البخاري إلى أن يقول: ويشبه هذه السلاسل الذهبية سلسلة مسند الربيع بن حبيب وثلاثياته، أبو عبيدة، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس. ورجال هذه السلسلة الربيعية من أوثق الرجال، وأحفظهم وأصدقهم، لم يشب أحاديثها شائبة إنكار أو إرسال، ولا انقطاع وإعضال، لأن الثلاثيات بأجمعها موصولة باتصال إسنادها، ولم يسقط من أسانيدها الثلاثية أحد. (والمعضل) هو ما سقط من إسناده اثنان فأكثر بشرط التوالي كقول مالك: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقول الشافعي: قال ابن عمر.
وقد يورد على قولنا هذا أن في مسند الربيع البلاغ والسماع مما يجعل الحديث مرسلا، ويجاب على هذا القول: إن رجال هذا المسند إذا نقلوا عن غير مشافهة بينوا ذلك بقولهم: (بلغني)، أو (بلغنا)، أو (سمعت من فلان) أو نحو ذلك مما
يبعد بالسند عن التدليس، فهم رحمهم الله أجل وأتقى من أن يوهموا الناس بالسماع وليسوا سامعين. وبذلك يظهر أن عنعنة هذا السند مقطوع باتصالها، لأن أبا عبيدة أخذ. جابر، وجابر أخذ عن الصحابة مباشرة، حتى قيل: إن أبا عبيدة أدرك من أدركه جابر من الصحابة.
عن
ومن مزايا هذه الثلاثيات، أو السلاسل الذهبية، سهولة حفظها. وحافظ المسند الثلاثي الرجال إذا روى حديثا من أحاديثه صدره بسنده الثلاثي الذي لا يختلف في جميع أبوابه وحفظ الأحاديث الثلاثية أير على المستظهر من حفظ سلاسل طويلة كثيرة الحلقات والرجال، ولأنه يسهل على حافظ الثلاثيات معرفة رجالهم لقلتهم، والتثبت من أوصافهم بالحفظ والصدق، والأمانة أكثر مما يعرفه عن رجال سلسلة عديدة الحلقات، قد يوجد بينهم من لا يطمئن القلب بصدقه وديانته، مما يضعف الحديث، ويجعله غير مقبول ولمزايا هذه الثلاثيات اهتم كثير من أئمة الحديث بتأليف الثلاثيات نذكر وشرحها منها: ثلاثيات الإمام أحمد بن حنبل المطبوعة بدمشق سنة 1380 هـ في جزأين الإمام محمد السفاريني، وعدد ثلاثياته خمسة وستون ومائة حديث، وثلاثيات البخاري وهي في صحيحه إثنان وعشرون حديثا، غالبها عن مكي بن إبراهيم ممن حدث عن التابعين، وهو في الطبقة الأولى من شيوخه مثل: محمد بن عبد الله الأنصاري، وأبي عاصم النبيل، وأبي نعيم، وخلاد بن يحيى، وعلي بن عباس، وثلاثيات الدارمي وهي: خمسة وعشرون حديثا وقعت في مسنده بسنده. وثلاثيات الشيخ أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن محمود الناجي وغيرهم. ونضيف اليوم إليها:
أصحها رواية
ثلاثيات الربيع بن حبيب الأزدي، وأحاديثها. مسنده من وأعلاها سندا، ورجال سلسلته الثلاثية الحلقات هم: أبو عبيدة التميمي، وجابر
-199 -
-198 -