الربيع بن حبيب محدثا وفقيها عمرو بن مسعود الكباوي أبو القاسم

الربيع بن حبيب محدثا وفقيها

الجزء ١ · صفحة ١٣٢

ج - إقبال الصحابة الكبير على تلقي السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتمسكهم بتعالمها، والعمل بما جاء فيها، وتطبيقها كان له أثره الكبير في المحافظة عليها جنبا إلى جنب مع القرآن الكريم.

د - نهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن كتابه السنة لم يكن عاما. والإباحة لكتابتها لم تكن عامة أيضا في أول الإسلام، فحيثا تحققت علة النهي منعت الكتابة، وحيثما زالت أبيحت الكتابة، وعندما حفظ المسلمون قرآنهم، وميزوه عن الحديث نسخ النهي بالإباحة عامة، ولو لم يكن إذن الرسول صلى الله عليه وسلم بالكتابة إذنا عاما لذهبت تلك الفائدة العمية التي تحققت من كتابة السنة وتدوينها للتشريع الإسلامي، مما جعله تتسع نصوصه ويواكب كل ما استجد ويستجد في حياة الإنسان من وقائع وأحداث ونوازل يلجأ إليها - إذا لم تسعفه نصوص القرآن الكريم - إلى السنة النبوية المطهرة لكشف أسرارها، وإجراء أحكامها، وتحقيق مقاصدها وفق ما تقتضيه الحكمة، وتتطلبه المصلحة، وبنشده العدل. فالرسول صلى الله عليه وسلم باعتباره آخر الرسل، وخاتم النبيين، وشريعته هي خاتمة الشرائع والأديان وناسختها لابد وأن يأمر بما فيه صالح البشرية، وخيرها ودوام سعادتها، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. هـ - في عهد الخلفاء الراشدين استمرت الحال على ما. هي عليه زمن الرسول صلى الله عليه وسلم بخصوص عدم تدوين السنة النبوية تدوينا رسميا. لانشغال الخليفة الأول أبي بكر الصديق رضي ا الله عنه بحروب الردة وتوجيه إمكانات الكتابة لجمع القرآن الكريم في كتاب واحد من مصادره المختلفة عندما استمر القتل في عدد كبير من حفظة القرآن العزيز في أثناء. حروب الردة. وتحفظ الخليفة الثاني عمر بن الخطاب والخليفة الثالث عثمان بن عفان من كتابة السنة خشية انصراف المسلمين عن كتاب الله، وأما الخليفة الرابع علي بن أبي طالب فهو الآخر لم تسعفه الظروف للاهتمام بتدوين السنة لانشغاله المتواصل بحروب المنشقين عن خلافته طيلة حياته الخلافية ..

و - التدوين الرسمي للسنة المطهرة كان في زمن الخليفة الأموي العادل

عمر بن عبد العزيز. أما تقييدها وحفظها - بصورة فردية - فقد مارسها الصحابة رضوان الله عليهم في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وبقي الأمر كذلك حتى ذلك الزمن (أي زمن التدوين، وخير دليل على ذلك، الصحيفة الصادقة التي دونها الصحابي عبد الله بن عمرو بن العاص، وصحيفة جابر بن عبد الله الأنصاري، وكتب ابن عباس، والصحيفة الصحيحة التي دونها همام بن منبه من شيخه أبي هريرة رضي الله عنه، وغيرها.

طالب رضي

ز - بداية وضع الحديث، واختلاق الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت بمطلع العقد الخامس من القرن الأول الهجري بسبب الفتنة الكبرى التي نجم عنها مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان، ثم الخليفة الرابع علي بن أبي الله عنها، وانقسام المسلمين على أنفسهم شيعا وأحزابا، وفرقا ومذاهب، ومحاولة كل فريق أن يدعم رأيه وما يدعيه بالقرآن والسنة، ولما لم تحتمل نصوص القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف جميع ما تدعيه تلك الفرق، وتزعمه هاتيك الأحزاب لجأ بعضهم إلى تأويل على غير حقيقته، وتحميل نصوص السنة ما لا تتحمله، وأن: يصع البعض الآخر أحاديث على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم في فضائل الأشخاص ومناقبهم، وفي المثالب، وأحاديث في مناقب البلدان والأيام، وغيرها في العبادات والمعاملات المختلفة، وفي الأطعمة، والآداب، والزهد، والذكر، والدعاء، وفي الطب، والمرض، والفتن، والمواريث وغيرها

?

لقد بذل علماء الحديث وجهابذة الجرح والتعديل جهودا كبيرة لتخليص السنة النبوية الرضية من شوائب الوضع، وأدران الكذب والاختلاق، وذلك بالتشديد في طلب الإسناد من الرواة وألزموه في التحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، واعتبروه للخبر كالنسب للمرء، والتوثق من صحة الأحاديث، ونقد الرواة وبيان حالهم من صدق أو كذب، ووضع قواعد عامة لتقويم الحديث وتمييزه من حيث السند والمتن. ط - ليس هناك بين المحدثين خلاف في الحديث الصحيح المتواتر لفظا

-249 -

-248 -