الربيع بن حبيب محدثا وفقيها
الجزء ١ · صفحة ٢٣د - بيان السنة: كثيرا ما كانت تنزل آيات القرآن مجملة غير مفصلة، أو " مطلقة غير مقيدة، أو عامة ليست مخصصة، كالأمر بالصلاة والزكاة والصوم والحج، والسنة هي التي كانت تبين المجمل وتفصل، وتقيد المطلق، وتخصص العام، وتوضح الغامض من اللفظ، فلو لم تكن هذه السنة البيانية حجة ودستورا وجب اتباعه لما أمكن تنفيذ كثير من فرائض القرآن ولا اتباع الكثير أحكامه، مما ورد عاما، أو مطلقا، أو مجملا، ويراد به غير ذلك سواء كان من ذلك في العبادات أم في المعاملات.
ولعل ماقاله الإمام الشافعي خير دليل في هذا الخصوص. قال: لو رددنا السنة كلها لصرنا إلى أمر عظيم لا يمكن قبوله، وهو أن من يأتي بأقل ما يسمي صلاة أو زكاة فقد أدى ماعليه، ولو صلى ركعتين في كل يوم أو أيام، إذ له أن يقول: مالم يكن في كتاب الله فليس على أحد فيه فرض، ولكن السنة بينت عدد الصلوات وكيفياتها، والزكاة وأنواعها ومقاديرها، والأموال التي تجب فيها ". وقال الأستاذ محمد تقي الدين في هذا المعنى أيضا. والحديث حول حجته ما صدر عن النبي من قول، أو فعل، أو تقرير أوضح من أن يطال فيها الحديث، إذ لولاها لما اتضحت معالم الإسلام، ولتعطل العمل بالقرآن، ولما أمكن أن يستنبط منه حكم واحد بكل ماله من شرائط وموانع، لأن أحكام القرآن لم يرد واردة في بيان أصل أكثرها لبيان جميع خصوصيات ما يتصل بالحكم، وإنما هي؟، وربما لا تجد فيه حكما واحد استكمل جميع خصوصياته، قيودا وشرائط وموانع. خذ على ذلك مثلا هذه الآيات المباركة: وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة)). وكتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم). ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا. ثم حاول التجرد عن تحديدات السنة لمفاهيها، وأجزائها،
التشريع،
(84)
(83)
(81) محمد إدريس الشافعي. ت: 4 الرسالة. التحقيق: أحمد محمد شاكر)، القاهرة: مكتبة مصطفى البابي الحلبي
وأولاده، 1940 م.
وشرائطها، وموانعها، فهل تستطيع أن تخرج منها بمدلول محدد؟. وما يقال عن هذه الآيات يقال عن غيرها فالقول بالاكتفاء بالكتاب عن الرجوع إلى السنة تعبير آخر عن التنكر لأصل الإسلام وهدم لأهم معالمه وركائزه العامية)
6 - السنة وكيفية تلقى الصحابة لها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
لقد سعد الصحابة رضوان الله عليهم جميعا بنعمة الإسلام، وحظوا برعاية رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم، ومخالطته إياهم، والالتقاء بهم كيفما اتفق، وحيث ماكان، في المسجد، والسوق، والبيت، والسفر، والحضر، وكانت أفعاله وأقواله وتقريراته محل عناية، وموضع اهتمام وتقدير منهم إذ كان عليه الصلاة والسلام مثلهم الأعلى، وأسوتهم الحسنة، ومحور حياتهم الدينية والدنيوية. وكيف لا يكون ذلك منهم؟ وهم الذين تربوا - منذ نشأتهم الإسلامية الأولى - على مائدة القرآن الكريم، وسمعوا الله يقول لهم فيه: وما آتاكم الرسول فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوام "، ويقول: لقد كان لكم في رسول الله إسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا "، ويقول: (وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون، ويقول: (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم "
(85) محمد تقي الحكيم. الأصول الما المقارن، ط: 2.
لا. ب. دار الأندلس للطباعة والنشر سنة 1979، 124 (66) الحشر. 7. (87) الأحزاب. 21. (88) آل عمران. 132.
(89) الأنفال: 34
1061
-43 -
(82) البقرة: 110.
(83) البقرة: 183.
(84) آل عمران: 7.
-42 -