الربيع بن حبيب محدثا وفقيها عمرو بن مسعود الكباوي أبو القاسم

الربيع بن حبيب محدثا وفقيها

الجزء ١ · صفحة ٣١

من الصحف في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل صحيفة عبد الله بن عمرو ابن العاص المسماة (الصادقة)، وصحيفة حقوق المهاجرين والأنصار واليهود وعرب المدينة في السنة الأولى من الهجرة م وصحيفة سعد بن عبادة، ونسخة سمرة بن جندب التي ورثها ابنه سليمان ورواها عنه، وصحيفة جابر بن عبد الله، وغيرها من الصحف التي دونت في النصف الأول والثاني من القرن الأول الهجري وبعد وفاته صلى الله عليه وسلم كصحيفة أبي هريرة التي دونها ورواها عنه تلميذه التابعي همام بن منبه منبه وسماها (الصحيحة)، وما كتبه عبد الله بن عباس رضي الله عنهما من السنة في ألواح يحملها معه في مجالس العلم.

(22)

ولو لم يكن إذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكتابة إذنا عاما ذهبت تلك الفائدة العمية التي تحققت من كتابة السنة وتدوينها للتشريع الإسلامي، مما جعله تتسع نصوصه ويواكب كل مايستجد في حياة الإنسان من وقائع وأحداث ونوازل يلجأ فيها - إذا لم تسعفه نصوص القرآن الكريم - إلى السنة النبوية المطهرة لكشف أسرارها، وإجراء أحكامها، وتحقيق مقاصدها وفق ما تقضيه الحكمة وتتطلبه المصلحة وينشده العدل.

فالرسول صلى الله عليه وسلم باعتباره آخر الرسل، وخاتم النبيين، وشريعته هي خاتمة الشرائع وناسختها لابد أن يأمر بما فيه صالح البشرية وخيرها ودوام سعادتها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارين.

2 - السنة في عهد الخلفاء الراشدين: استمرت الحال على ماهي عليه زمن الرسول صلى الله عليه وسلم بنهي عدم تدوين السنة النبوية تدوينا رسميا في عهد الخلافة الراشدة. فهي:

(22) راجع: صبحي الصالح، علوم الحديث ومصطلحه. ط: 6. بيروت: دار العلم للملايين، 1977 م، ص 23 وما بعدها ..

أ - عهد الخليفة الأول أبي بكر الصديق رضي الله عنه قد واجهته - منذ أيامه الأولى. حروب الردة التي مات فيها عدد كبير من حفظه القرآن الكريم، واقتضى الأمر أن يعمل سريعا على جمع القرآن في كتاب واحد بعد ماكان مفرقا في مصادره ليكون مرجعا للمسلمين إلى جانب حفظهم له في

الصدور.

أما السنة فلم يجد سبيلا إلى تدوينها بعد أن وجه جميع إمكانيات الكتابة - وهي محدودة - إلى القرآن الكريم، فلابد - إذا - من الاستمرار في الاعتماد على الذاكرة وحفظ السنّة في الصدور كما. هي الحال في عهد النبي صلى الله عليه وسلم. مع عدم إشغال المسلمين كثيرا برواية الحديث، خصوصاً أولئك الذين لم يتيسر لهم حفظ القرآن الكريم، أو حفظوه وجمعوا معه كثيرا من الأحاديث حتي لا يقعوا في مغبة الخطا والنسيان فينسبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم مالم يقله من حيث لا يدرون.

(23)

فقد روى أبو مليكة مرسلا: أن أبا بكر الصديق رضي ا الله عنه جمع الناس بعد وفاة نبيهم فقال: إنكم تحدثون عن رسول الله صلى عليه وسلم أحاديث تختلفون فيها، والناس بعدكم أشد اختلافا، فلا تحدثوا عن رسول الله شيئا، فمن سألكم فقولوا: بيننا وبينكم كتاب الله فاستحلوا حلاله وحرموا حرامه وكان أبو بكر رضي الله عنه على جانب كبير من التثبت وأخذ الحيطة في قبول الرواية الحديثية إذ كان له في الراوي نظر، وفيما يروي نظرات ونظرات. جاء عن الإمام مالك عن ابن شهاب عن عثمان بن إسحاق بن خرشة عن قبيصة ابن ذوئب أنه قال: جاءت الجدة إلى أبي بكر تسأله ميراثها، فقال لها أبو بكر: «مالك في كتاب الله شيء، وما علمت لك في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا، فارجعي حتى أسأل الناس فسأل الناس فقال المغيرة بن

(23) محمد بن أحمد المعروف بشمس الدين الذهبي. (ت 748 ها - تذكرة الحفاظ، بيروت: دار إحياء التراث العربي. لا. ث. ج: 1، ص 403

<-57 -

-56 -