الربيع بن حبيب محدثا وفقيها
الجزء ١ · صفحة ٣٥وعلى هذا، فلم يكن مطلع القرن الثاني الهجري مبدأ لتدوين السنة وتقييدها، بل كان مبدأ للتصفيف على الأبواب، وقد ظهرت هذه المصنفات في أوقات متقاربة في مختلف مراكز الإشعاع العلمي بالدولة الإسلامية، ثم ظهرت المسانيد، فالصحاح، وبهذا يكون تدوين الحديث قد مر بمراحل منتظمة حتى انتهى إلينا في كتب الصحاح بالمسانيد.
ثالثا: تسرّب الوضع في الحديث:
سبق للباحث وأن تحدث عن حرص الصحابة رضوان الله عليهم بعامة والخلفاء الراشدين بخاصة وتثبتهم في رواية الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقبلها، إلا أنه مع ذلك الحرص وتلك الحيطة فقد بدأ الوضع يتسرب إلى الحديث النبوي الشريف.
فما أسباب الوضع في الحديث؟ ومتى كان ذلك؟ وما موقف علماء المسلمين من الوضاعين والأحاديث الموضوعة؟. قبل أن يجيب الباحث عن هذه الأسئلة يتحدث عن:
1 - معنى الموضوع لغة واصطلاحا:
أ - المعنى اللغوي: الموضوع في اللغة اسم مفعول من وضع يضع، ويأتي وضع في اللغة لمعان عدة منها:
1 - الإسقاط: كوضع الجنابة عنه أي: أسقطها، ووضع الأمر أو الشيء عن كاهله أي: أسقطه ..
2 - الترك: ومنه إبل موضوعه، أي: متروكة في المرعى.
3 - الافتراء والاختلاق: كوضع فلان هذه القصة: أي اختلقها وافتراها.
(45) محمد صباح الخطيب، السنة قبل التدوين، مرجع سابق ص 342
ب - المعنى الاصطلاحي لدى المحدثين: هو ما نسب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم اختلاقا وكذبا مما لم يقله، أو يفعله، أو يقره. قال ابن الصلاح في مقدمته: «الموضوع هو المختلق، وهو شر الأحاديث الضعيفة، ولا تحل روايته لأحد علم حال في أي معنى كان إلا مقرونا ببيان وضعه
2 - بداية الوضع في الحديث على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسبابه: لقد كان للفتنة الكبرى التي انتهت بمقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه وما تلاها من حروب دامية بين الخليفة الرابع علي بن أبي طالب رضي الله عنه وطلحة والزبير في واقعة الجمل، وبينه وبين معاوية في صفين، وبينه أيضا وبين المحكمة (الخوارج) في النهروان، ثم بين أشياعه ومعاوية من جهة، وبين الخوارج وبين بني أمية من جهة أخرى، كان لذلك كله أثره العميق انقسام المسلمين على أنفسهم سياسيا، فأصبحوا طوائف متعددة. فالجمهور مع علي في خلافه مع معاوية، والخوارج يسخطون على معاوية وعلي معا بعد ما كانوا أنصار علي المتحسين لإمامته، المخلصين لبيعته، وآل البيت صاروا - بعد قتل علي وتولي معاوية بن أبي سفيان أمر المسلمين، وتنازل الحسن له عن حقه في الخلافة - صاروا يطالبون بالخلافة ويشقون عصا الطاعة على الدولة الأموية، مما أدى إلى نشأة الأحزاب والفرق التي اتخذت شكلا دينيا له أثره البالغ في قيام المذاهب الدينية في الإسلام. وقد حاول كل حزب من هذه الأحزاب أن يدعم رأيه وما يدعيه بالقرآن والسنة، ولكنه لا يمكن بحال أن تتحمل نصوص القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف كل ماتدعي تلك الفرق، وتزعم هاتيك الأحزاب، لذلك لجأ بعضهم إلى تأويل القرآن على غير حقيقته،
(46) أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن المعروف بابن الصلاح (ت 642 هـ). مقدمة ابن الصلاح في علوم الحديث بيروت: دار الكتب العلمية 1978 م، ص 47
-65 -
-64 -