الربيع بن حبيب محدثا وفقيها
الجزء ١ · صفحة ٣٦(47)
وتحميل نصوص السنة مالا تتحمله، وأن يضع البعض الآخر على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث تؤيد دعواه، وتدعم هواه إن عز عليه ذلك في القرآن العظيم لحفظه، وتوفر المسلمين على روايته وتلاوته، ومن هذا كان الوضع في الحديث وابتداؤه، واختلاط الصحيح منه بالمختلق الموضوع .. ولعل أول معنى طرقه واضعو الحديث هو فضائل الأشخاص، فقد وضعوا الأحاديث الكثيرة في فضائل أئمتهم ورؤساء أحزابهم، ويقال: إن أول من فعل ذلك هم الشيعة على اختلاف طوائفهم. فقد جاء في شرح نهج البلاغة قول ابن أبي الحديد: «اعلم أن أصل الكذب في أحاديث الفضائل جاء من جهة الشيعة، فإنهم وضعوا في مبدإ الأمر أحاديث مختلفة في صاحبهم، حملهم على وضعها عدواة خصومهم، فلما رأت البكرية ماصنعت الشيعة وضعت (هي الأخرى) لصاحبها أحاديث في مقابلة هذه الأحاديث) ولم يقتصر الوضع في الحديث على مناقب الأشخاص، ودعم الأفكار والآراء العقائدية والمذاهب السياسية بل تجاوزها إلى مختلف أبواب الحديث، حتى كادت الأحاديث المختلفة أن تتناول جميع جوانب الحياة الخاصة والعامة، فوضعت أحاديث في الفضائل والمثالب، وأحاديث في مناقب البلدان والأيام، وغيرها في العبادات والمعاملات المختلفة، وفي الأطعمة، والآداب، والزهد والذكر والدعاء، وفي الطب، والمرض، والفتن، والمواريث وغيرها). السنة الأولى من العقد الخامس من القرن الأول الهجري هي هذا وتعتبر الحد الفاصل بين صفاء السنة النبوية وخلوصها من الوضع، وبين التزيد فيها واتخاذها وسيلة لخدمة الأعراض السياسية، ومطية للنزعات والأهواء. يقول الدكتور مصطفى حسني السباعي في هذا الخصوص: «كانت سنة الحد الفاصل بين صفاء السنّة وخلوصها.
أربعين من الهجرة هي
من
الكذب
(47) عبد الحميد بن هبة الله المكنى بابن أبي الحديد. (ت 655 هـ. شرح منهج البلاغة. بيروت: دار إحياء التراث العربي. لا. ت. ج:2، ص 134. (48) راجع: محمد عجاج الخطيب، السنة قبل التدوين، مرجع سابق: ص 189
والوضع، وبين التزيد فيها واتخاذها وسيلة لخدمة الأغراض السياسية، والانقسامات الداخلية، بعد أن اتخذ الخلاف بين علي ومعاوية شكلا حربيا سالت به دماء، وأزهقت أرواح، وانقسم المسلمون إلى فرق متعددة. ومن خلال تحديد السنة التي بدأ فيها الوضع في السنة والكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم يمكن القول: إن الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجد سبيله إلى ألسنة الوضاعين طيلة حياة النبي عليه الصلاة والسلام، ومدة الخلافة الراشدة وكيف يتصور مسلم أو من له مسكة من عقل أن يتجرأ أحد من صحابته صلى الله عليه وسلم الأبرار الطيبين الأخيار الذين تربوا على يدية المباركتين، وتخرجوا من مدرسة ينابيع حكمته، واستمعوا إلى توجيهاته وقوله: «إن كذبا على ليس ككذب على أحد، ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار وكيف يتصور أن يتجرأ أحد من هؤلاء المؤمنين حقا أن يفتري على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولعله من المناسب أن نستمع إلى مايقوله بعض الصحابة أنفسهم في هذا الشأن:
أخرج البيهقي عن البراء قال: ليس كلنا كان يسمع حديث النبي صلى الله عليه وسلم، كانت لنا ضيعة وأشغال، ولكن كان الناس لم يكونوا يكذبون فيحدث الشاهد الغائب
وأخرج البيهقي أيضا عن قتادة: أن حدث بحديث قال له رجل: أسمعت هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم. أو حدثني من لم يكذب، والله ماكنا نكذب ولا ندري ما الكذب
(52)
(49) مصطفى حسني السباعي، مرجع سابق، ص 90. (50) جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي (ت 911 هـ). مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة. ط.3. المدينة المنورة: مطابع الرشيد، 1979 م ص 36.
(51) نفس المرجع، من 37. (52) نفس المرجع، ن، ص.
-67 -
-66 -