الربيع بن حبيب محدثا وفقيها عمرو بن مسعود الكباوي أبو القاسم

الربيع بن حبيب محدثا وفقيها

الجزء ١ · صفحة ٣٧

بذلك تكون أية محاولة قد يقوم بها بعض من تسول له نفسه بالوضع والكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم - ممن لم يتمكن الإيمان من قلوبهم - قد وجدت حصارا شديدا، وتعرية من الصحابة وكبار التابعين الذين يسهل عليهم معرفة الحديث الصحيح من الموضوع، لوعيهم ورسوخهم في الحديث النبوي الشريف، وامتلاكهم الجرأة المثالية في الحق مكنتهم من عدم السكوت عن آبائهم وأعز الناس إليهم إذا انحرفوا عن سواء الصراط

وكان لهذه الصفة وتلك الأخلاق أثرها الحميد في سلوك من جاء بعدهم من كبار التابعين وأوساطهم وصغارهم وعلماء تابعيهم في مقاومة الوضع والوضاعين على رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سيتبين مما يلي.

رابعا: جهود علماء المسلمين في مقاومة الوضع في

لم يقف صغار الصحابة وكبار التابعين ومن جاء بعدهم من علماء المسلمين رضي الله عنهم جميعا مكتوفي الأيدي أمام ظاهرة الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم واختلاق الباطل في الدين، وإنما قاوموا تيارها الجارف بما حباهم الله وأيدهم بعونه وتوفيقه من الوسائل الناجعة التي كانت السبب المباشر في إنقاذ السنة النبوية الرضية مما دبر لها من كيد، وحيك حولها من دسائس ومؤامرات، ومنها: 1 - إسناد الحديث: صار علماء الحديث يشدّدون في طلب الإسناد من الرواة، وألزموه في التحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، واعتبروه للخبر كالنسب للمرء فهذا الإمام محمد بن سيرين يخبرنا عن ذلك ويقول: «لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة، قالو: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ

(3)

(53) أبو الحسين محمد بن الحجاج بن مسلم القشيري، مرجع سابق، ج: 1. من 11

وقد ابتدأ التثبت في نقل الأخبار وإسنادها منذ عهد صغار الصحابة الذين تأخرت وفاتهم عن زمن الفتنة فقد روى الإمام مسلم في مقدمته عن مجاهد: أن بشير العدوي جاء إلى ابن عباس فجعل يحدث ويقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «كذا، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «كذا» فجعل ابن عباس لا يأذن الحديثه، ولا ينظر إليه، فقال: يا ابن عباس: مالي أراك لا تسمع حديثي! أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تسمع؟ فقال ابن عباس. إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلا يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ابتدرته أبصارنا، وأصغينا إليه بآذاننا، فلما ركب الناس الصعب والذلول، لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف، ثم أخذ التابعون في المطالبة بالإسناد حين فشا الكذب، وازدادت دواعيه.

(55)

05361

4

يقول أبو العالية: «كنا نسمع الحديث عن الصحابة فلا نرضى حتى تركب إليهم فنسمعه منهم، وكان محمد بن شهاب الزهري إذا حدث أتى بالأستاد ا ويقول: «لا يصلح أن يرقى السطح إلا بدرجه، ويقول الأوزاعي ذهاب العلم إلا ذهاب الإسناد). ويقول سفيان الثوري: الإسناد صلاح المؤمن، فإن لم يكن له سلاح فبأي شيء يقاتل؟، ويقول عبد الله بن المبارك: الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ماشاء، ولا ينقص ما ذكرنا من التزام التابعين بالإسناد المتصل صحة ما روي عن بعضهم من

(54) أبو الحسين محمد بن الحجاج بن مسلم القشيري، مرجع سابق ج: 1، ص 10 (55) ابن عبد البر. مقدمة الشهيد، ص: 15] (56) عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي (ت 327 هـ). كتاب الجرح والتعديل. حيدر آباد: مطبعة مجلس دائرة

المعارف، 1953 م، ج 1، ص 16 (57) ابن عبد البر المرجع السابق، ص 15 (58) الخطيب البغدادي، شرف أصحاب الحديث. الحق: محمد سعيد أوغلي). دار إحياء السنة النبوية، لا

ت. ص 42.

(59) أبو الحسين مسلم بن الحجاج. سابق، ص 12.

-69 -

-68 -