الربيع بن حبيب محدثا وفقيها
الجزء ١ · صفحة ٩٣لعل هناك من الناس من يقول: ربما كانت تلك المكانة عظامية وراثية، وامتدادا لمجد باذخ أو مال مؤثل إذ أن كثيرا من الأبناء والأحفاد يحظون بالتبجيل والإكرام، ويحاطون بهالة من التقدير والاحترام في ظل ما خلفه الآباء والأجداد من تراث مادي أو معنوي … ! إلا أن هذا الظن يشجبه، ويسقط قواعده من أساسها إغفال المؤرخين الذين كتبوا عن الربيع لأسرته، وعدم تعرضهم لها بتاتا، فلو كانت بتلك المنزلة العظامية، وبذلك الشأن من الثراء لشادوا بذكرها - حتما - ولملأوا صحائف الكتب بتالد مجدها الغابر، وطارف حاضرها الزاهر، كما فعل ويفعل بمن ذلك شأنه.
وكل الذي نعلمه عن أسرة الربيع بن حبيب أن والده حبيبا كان أحد تلامذة أبي الشعثاء جابر بن زيد، وأنه من المنتقدين عليه صلاته وراء ابن زياد والحجاج بن يوسف الثقفي، وأن له أخا - لم يذكر اسمه، وهل كان أصغر منه أو أكبر، أو كان متعلما أو غير متعلم - قد بعثه إلى تيهرت بسلة اشتراها «باثني عشر ألف درهم كان بعث بها إليه الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن الرستمي إعانة له، فكلف بها الإمام بـ تجار فباعوها واشتروا له بثمنها غيرها في ثمانية أيام وأرسلوها إليه.
وأما الناحية الاقتصادية للربيع وأسرته فالمصادر التي بيننا لم تسعفنا بشيء من الحديث عنها، فلو أنه كان غنيا ماتخلف اسمه عن قائمة أولئك الأثرياء الإباضيين في البصرة) من أمثال: أبي الحر علي بن الحصين العنبري، وقرة بن عمرو، والفضل بن جندب، والنظر بن ميمون، وأبي عبيدة الصغير عبد الله بن القاسم، وغيرهم من الذين بذلوا الأموال ناشطة سخية لفقراء أهل الدعوة، وفي سبيل نشر الحركة الإباضية، ونصرة القائمين بذلك: كأبي يحيى عبد ا الله بن يحي
(54) سليمان عبد الله الباروني، (ت 1945 م)، الأزهار الرياضية في أئمة وملوك الإباضية، القاهرة: مطبعة الأزهار البارونية، لا. ت. ص 164. (55) راجع: عوض خليفات، نشأة الحركة الإباضية. عمان: مطابع الشعب، 1978 م، من 114 - 115.
الكندي طالب الحق، وقائده أبي حمزة المختار بن عوف الشاري، وعبد الرحمن بن رستم، بل إن هناك إشارة تاريخية تدل أو توحي: بأن الربيع بن حبيب فقير عجز في سنة من السنوات عن السفر إلى الأراضي المقدسة لأداء فريضة الحج، والقيام بواجبه نحو إخوانه المسلمين الوافدين من أقطار العالم الإسلامي. فلنستمع إلى أبي سفيان محبوب بن الرحيل يحدثنا في هذا الخصوص فيقول: «اجتمع وائل بن أيوب، والمعتمر بن عمارة، وجماعة إلى الربيع، فسألوه أن يخرج إلى الموسم فقال: لا أقدر، وما عندي ما أتحمل به، فشوا إلى رجل من المسلمين يقال له: النظر بن ميمون، وكان رجلا موسرا من تجار الصين، أعلموه بقوله، فأتاه بأربعين دينارا فقال: حج بها، فلم يقبلها منه وكان به خاصا. فجاء وائل والمعتمر فقالا له: سبحان الله يا أبا عمرو! تعلم حاجة الناس إليك، وكنت اعتللت بأنك لا تجد ما تحمل عليه فلما جاءك الله بما تتمتع به أبيت أن تقبل!. قال: إنه قال لي: خذها على أنك تحج بها، ولست أقبلها على شرط، فأتيا إلى النظر فأعلماه بما كره من قوله فاعتذر قائلا: والله ما علمت أنه يكره ذلك، والآن خذاها أنها فادفعاها إليه، فأبى أن يقبلها بعد ذلك مما ذكر نستنتج أن تلك المكانة التي نالها الربيع في أوساط أهل زمانه من الإباضية ليست عظامية موروثة، وإنما كانت عصامية مكتسبة، قد انتزعها انتزاعا من ذلك المجتمع الذي لا يعترف بالجاه الزائف، ولا يقيم لأعراض الدنيا الزائلة وزنا. نال الربيع تلك المنزلة الرفيعة بما حباه الله تعالى به من الورع، والتقوى. والأمانة، والإخلاص، والعلم والعمل لما فيه خير الصالح العام ونفعه. والنصوص الآتية مما قاله عنه من عاصره وعاشره وتعامل معه تؤكد صدق ما نعت به من تلك الأوصاف:-
(56) الدرجيني، الطبقات، مرجع سابق، ج 2، ص 273 - 374
-173 -
-172 -