دراسات في تاريخ المكتبات والوثائق والمخطوطات الليبية عبد الله محمد الشريف

دراسات في تاريخ المكتبات والوثائق والمخطوطات الليبية

الجزء ١ · صفحة ٤٢

(3)

والشرقية من البلاد، وذلك مع قيام عدة انتفاضات مسلحة قادها عدد من رجال البادية في محاولة منهم دون الخضوع المباشر لسيطرة الولاة العثمانيين الذين لم يوفق البعض منهم فى رفع الظلم والتسلط والقهر الذي كان يمارسه الجنود الانكشارية ضد المواطنين) ولم يكن النجاح حليف تلك الانتفاضات أو الحركات الاستقلالية في نهاية الأمر بالرغم من عظمة التضحيات التي كان يتكبدها أهالى الريف والبادية بصورة خاصة على أثر الإمدادات العسكرية والاقتصادية التي كانت تصل من الآستانة لنجدة العثمانيين الموجودين بداخل الإيالة فور الإعلان عن وجود أى حركة استقلالية عن الآستانة في ليبيا. كما ساعد على عملية فشل تلك الانتفاضات أيضاً ما تميزت به من قلة فى التنظيم وعدم الدقة في التوقيت وكثرة فى العدد باستثناء القلة منها مثل حركة الشيخ يحى يحى السويدي في عام 996 هـ (1587 - 1588 م) وحركة عبد الجليل سيف النصر (1831 - 1842 م التى امتدت لعدة سنوات من فترة الحكم العثماني الثاني (4)

(د)

م)

ومنذ الأيام الأولى لبداية حكم أحمد باشا القرمانلي (1711 - 1845 على ليبيا عمل بكل جد على أن يجنب البلاد فوضى الجنود الانكشارية التى

لذا

كانت قد سادتها منذ فترة طويلة من الزمن لقى فيها عدد من الولاة مصرعهم دبر لهم الوالى المذكور مذبحة كبيرة ليتمكن بواسطتها التخلص منهم عن طريق وليمة يدعوهم لحضورها بإحدى القصور الكبيرة بالمنشية. وقد حالفه الحظ فى تنفيذ المذبحة السرية بالقضاء كلياً على نفوذ الجنود الانكشارية مما مكنه ذلك من فرض سلطته على أنحاء البلاد دون منازع ثم الاتجاه إلى النهوض بالأسطول ببناء دار خاصة لصناعة السفن، وضرب عملة جديدة

(3) محمد امحمد الطوير، مجلة الإخاء، الحركات الاستقلالية ضد الحكم العثماني في ليبيا، لنفس المؤلف المذكور، العدد الرابع، طرابلس ليبيا، 1983 م. ص 112 - 118.

(4) إسماعيل كمالى وثائق عن نهاية العهد القرمانلى، ترجمة محمد بازامة، 1965، ص 11

86

باسمه مما ساعد ذلك على إيجاد الرخاء الاقتصادي في البلاد، استقرار مع الأمن، واستمرار طرق تجارة القوافل بين شمال وجنوب ليبيا التي كانت تحمل المنتوجات الأوروبية كالمصنوعات المختلفة من حديدية وأقمشة لتحضر بدلاً منها الصادرات الإفريقية من عبيد وعاج وريش النعام وتبر (5). ونتيجة لذلك امتلأت خزانة أحمد باشا القرمانلى بالأموال التي كانت ترد إليها من عدة مصادر مثل رسوم تجارة القوافل والغنائم البحرية والإتاوات التي كانت تجبى من الدول الأوروبية مقابل سلامة مرور سفنها في البحر المتوسط بأمان (6).

وقد مكنت حالة الرخاء الاقتصادي التي كانت تعيشها ليبيا عقب ما كان قد حل بالبلاد من مرض الطاعون فى عام 1831 م وانتفاضات متوالية اتجه أحمد باشا القرمانلى بنظره الصائب إلى أن يقوم بعمل خيرى يخلد له عظيم أعماله كما كان يفعل من قبل بعض الولاة والوجهاء والأعيان أثناء العهد العثماني الأول وذلك بأمره لعماله في عام 1831 م بأن يبنوا له مدرسة وجامعاً في مكان قريب من السرايا فى مواجهة قصر الباشا

وبفضل متابعة الوالى أحمد باشا لسير العمل بالمدرسة والجامع تمكن المهندسون والعمال من الانتهاء الكلى من العمل فى مدة قاربت الخمس سنوات أى ما بين عام 1731 م وعام 1737 م حينها ظهر الجامع في منظر جميل بديع، ما زال محتفظاً ببهاء معماره الشرقى حتى الآن رغم مرور نحو قرنين ونصف من الزمن على إنشائه والتى أشارت عدة كتب إليه مثل ما جاء في رسائل الآنسة توللى التى كانت قد عاشت لمدة عشر سنوات في طرابلس تحدثت خلالها عن معالم مدينة طرابلس وعن حياة السكان

(p 1793 - 1783)

(5) عمر إسماعيل، انهيار حكم الأسرة القرمانلية فى ليبيا طرابلس ليبيا، 1966 م، ص 38. رودولفو، ميکاکي، طرابلس تحت حكم أسرة القرمانلى، ترجمة طه فوزي، معهد الدراسات

العربية العالمية، مصر، 1961 م، ص 31 - 33.

(6) رودولفو ميكاكى، المرجع المذكور، ص 32.

95

94