التحفة البهية في الرحلة الشرقية أحمد بن الحاج حمو يدّر

التحفة البهية في الرحلة الشرقية

الجزء ١ · صفحة ١٢

21

20

يتفرقع ذلك البركان فلا يترك صغيرة ولا كبيرة الا وأحرقها وصيرها رمادا بل هباء منثورا

مرغوب جدا عند أهالى المدينة وتحيط به صفوف من الاشجار المتنوعة كالعساكر ومستشرفة على البحر ينشرح صدر من يتنزه فيه و يذهب الحزن لحسن المناظر التي يراها المتنزهون الجامعة بين البحر والبر وبداخل هذا المنتزه محل يسمى (اكوار يوم) وهو مظلم يحتوى على نحوستين خلوة من البلور مملوءة بالماء و في كل منها أصناف كثيرة من السمك بحيث انه يوجد فيها ما ينوف راسه كقطع كبيرة من السحاب وفي أعلاه هيئة بئر متسع لا يعلم عمقها ولا

عن ألف صنف منها جنس يشبه النبات فيظنه من يراه نباتا ولكن بعد امعان النظر فيه يجده متحركا من محل الى آخر وله جملة أفواه يفتحها و يأكل بها ونحو ذلك من الارهاط العجيبة الطبيعية التى تثبت لنا وجود الخالق المتصف بالقدرة التامة

و من المشغوفين بالاكتشافات الغريبة سائح انجليزى يقال انه لما وصل الى هذا الجبل النارى الذى تقرب منه المتفرجون رأى الدخان يطلع من

قعرها الا الله فزادته هذه الغرابة اعجابا وكره أن يرجع كبقية المتفرجين من غير أن يطلع على حقيقة البركان والمغارة وكيف يصعد الدخان من ذلك المكان فعلب على عقله حب الاطلاع ولوفيه ذهاب نفسه وهلاك حياته فذهب بمرأى ومسمع من الناس يتشبث كهوف الجبل حتى اذا قرب من رأسه أوقفته غزارة الدخان الحار فلم ينزجر بل ارتجل وتقدم الى الامام و رمى رجله فسقط منهو يا | في البركان وذهبت جثته أكولة للنيران

و يوجد منتزهات أيضا بخارج المدينة في ضواحبها ولكنها لم تبالغ درجة هذا المنتزه وأما رحبانها فكثيرة وفيها أعمدة ركبت فوقها تماثيل من نحاس وغيره ومنقوش بها أسماء القياصرة من الروم من الله ومن العجب أيضا ان أهالى تلك الاراضى يجعلون قراهم بأطراف ذلك الجبل وأما كنائسها ففيها ما يزيد على ثلاثمائة كنيسة وتحتوى على قبور الجهنمي يعرضون أنفسهم للاخطار والمهالك وجيوش دخان تلك البراكين

القدماء من الملوك قبل المسيح و بعده وغير ذلك على ما سبق نظيره في مدينة جنوه من التماثيل والتصاوير والهياكل والنقوش والجواهر الثمينة مما يدهش

النارية تنذرهم كل يوم بان في صدرها حقد ا عليهم وأن وراءه الموت بالاحراق وخير لهم أن يتباعدوا عن الحمى لكن طبع الله على قلو بهم فسواء عليهم

فلولم يكن في مملكة ايطالياشى تمجه النفس الاهذه النار الفظيعة لكفاها في أنها أقبح نقطة على أرض الله (تكوين البراكين)

العقول و يثبت لنا تقدم تلك الامم الغابرة فى بداعة صنعتها وفيها كتبخانات أنذرتهم تلك الادخنة أم لم تنذرهم فهم لا يسمعون فنفذت فيهم تلك المزعجات متعددة منها ما يحتوى على مائتي ألف مجلد ومنها ما يحتوى على ثلثمائة ألف مجلد حيث جعلت البراكين أسفل الجبل عاليه مرارا متعددة كما يستفاد ذلك من وكلها بديعة في النظافة وجميلة في الشكل والصورة التاريخ فلما قرب سفر المركب اكتفينا بما استطلعناه ورجعنا الى المركب البخاري ثم قام يحرك جناحيه ليرداليه قواه و يرنم بأصواته التي لا تقل عن صوت الرعد لينبه أهل البلد على مفارقته فحياهم بنغمات تلين قلوب الطاعنين ثم أخذ الشرق وجهته ومررنا ونحن فى المركب على جبال نارية وأعلام جهنمية شهيرة من قديم الزمان بانفجارها نار او احراقها كل ضواحيها و في بعض هذه الجبال بركان يخرج طول السنة من قمته دخان لا ينقطع أبدا و في كل بضع سنين

قال علما ء طبقات الارض ان وسط الارض مملوء بالنار وسببه أن الارض في مبدإخلةها كانت كوكب انار يا فسقطت من فلكه الى حيث هي مركوزة فى فراغها ثم علتها طبقة ترابية فمائية فهوائية وهكذا الى فلك القمر قالوا ان حرارة