التحفة البهية في الرحلة الشرقية
الجزء ١ · صفحة ٤٧091
90
يونس كذلك وحضرة الحاج محمد بن الساسي الكتبي الشهير التونسي وقد حصل لنا بهم الانس التام خصوصا حضرات المجاورين الازهريين لم يفارقونا ليلا ولا نهارا وأزالواعنا كل ما يطرأ على القلب من آلام الغربة
وضروب الوحشة وكنت بالاخص ملازما للمسامرة معهم بعد ما ينام رفقائى و نتجاذب ماطاب من الكلام ولذيذ الحديث حتى يذهب من الليل اكثره ثم يذهب كل واحد من المرقده بعد تحية وتعيين ميعاد يجمعنا فى الغد و على هذا المنوال كانت أيامنا بمصر فسواء ليلها ونهارها في البهاء
و مازادنا جمالا ما صادفناه من موسم المولد النبوى صر فبلغ في الحقيقة الاحتفال به مبلغ الغرابة فى الاعجاب والزينة فلما قدمنا اليه وجدنا مكان الاحتفال بضواحى القاهرة يسمى بالعباسيه فكان متسعا جدا وأرضه ذات رمال لطيفة تحيط بهذا المكان خيم على شكل محيط دائرة بعضها لرجال الحكومة المصرية منها خيمة مكتوب عليها سمو الخديوى والبعض مكتوب علها نظارة الاشغال وهكذا من نظارة المعارف ونظارة الداخلية ونظارة الأوقاف ونظارة الزراعة ونظارة الحربيه ثم يلى هذه الخيام خيام اخرى نم لاعيان البلد ثم يليها خيام لمشايخ الطرق مع اختلاف انواعها و بداخل هذه الخيام رحمة واسعة محدودة بجبال تمنع المارة من الدخول فيها والطريق للمتفرجين تنفذ بين هذه الجبال والخيام بشكل مستدير ورجال الحرس والضبط من العساكر خيالة ومشاة واقفون الحفظ الامن والنظام وتلك الخيام مفروشة بالابسطة النفيسة وغير ذلك من آلات الزينة الثمينة ويتخلل هذا الاحتفال من سمائه الى أرضه أسلاك كهربائية ذات أنوار مختلفة الالوان ومصابيح و قناديل فكاني به قمر زفت اليه كواكبه ثم في الساعة الرابعة بعد الغروب ابتدأت الصواريخ تلعب أدوارا عجيبة في ذلك الفراغ وهى شهب نارية تصعد الى عنان السماء منها الاحمر والابيض والازرق والاصفر ومنها ما هو فى صعوده كالغصن في الاستقامة ومنها ما برسم منحنيات فى الهواء ومنها ما يخرج كشكل ثعبان هائل وهو يصفر ومنها ما تراه.
كسهم في السرعة حتى اذا ما وصل الى نحو 500 مترافى الارتفاع تفرقع كهيئة مدفع ثم تفرقعت أجزاؤه أيضا ومنها ما يطلب السماء بنعمة ظريفة رقيقة الحواشي و بعضها يعطى أسهما متتالية كسلسلة فى غاية من السرعة ومنها ما يعمل دو يا كالرعد ومنها ما نخرج بالقرب من الارض كهيئة شجرة ذات أزهار ملونة تعبث بها الرياح فترى الصوار بخ تتكلم صاعده ثم تنعكس بعضها صاعد وبعضها هابط مع السرعة التى تأخذ بالابصار وهكذا من المناظر الكهربائية والصواريخ النارية تلعب أدوارا يعجز عن الاحاطة بها
وصف واصف
فكانت تلك الليلة من أبهج الليالى لما فيها من الزينة الغريبة وحضر هذا الاحتفال جمع لا يعلم عدده الا الله وتعطل مصالح الحكومة وغيرها لاجله اعتناء به والله يعيده على جميع المسلمين بخير وسعاده مضت علينا أيام كالاعياد فى السرور بالديار المصرية ومكثنا فيها خمسة عشر يوما من (12) الى (27) من ربيع أول ففي صباح يوم الاحد الساعه 11 (27) من الربيع النبوى عزمنا على مغادرة مصر بعد أن قضينا فيها الوطر وجهزنا واجبات السفر فجاء لوداعنا حضرات الفضلاء المجاورون الجزائر يون والتونسيون فابوا الا أن يشيعونا الى محطة السكة الحديدية بالرغم عن مزاحمة دروسهم فركبنا في نحو ثلاث عربيات فلما وصلت بنا الى المحطة أجرنا بالقطار السريع بالدرجة الثانية وأجرة الركوب تقدم بيا نها حين سفرنا من الاسكندريه وهى بعينها ثم تبادلنا تحية الوداع مع أولئك الافاضل والقلب مكتئب من ألم الفراق والعين تذرف بالدموع فصعب علينا فراقهم لما رأيناه منهم من المجاملة والمحاسن السامية والنفس الى مثل هذه الجواهر أميل ويعز عليها مفارقتها ثم سافر القطار بعد أن مكشت برهة من الزمن مع ابن أختنا السيد الحاج محمد أوصيه بما فيه نجاح مستقبله وصلاح حاله مع الثقة به أنه على جانب عظيم من كمال العقل وثبات الصبرتم ودعته مسلم الامر الله في حفظه