التحفة البهية في الرحلة الشرقية
الجزء ١ · صفحة ٤٩95
94
على المدينة فالفينا ها صغيرة وبناؤها لا يزيد على طبقتين وليست ذات أهمية ولما كانت عاصمة اليونان (أتينه (قريبة بمقدار عشرين دقيقة في السكة الحديدية رغبنا فى التمتع بمناظرها فركبنا في القطار الحديدى ودفعنا الاجرة ذهابا وايابا فرنكا واحد افقط اغرب المسافة فصادف دخولنا لهذه العاصمة يوم الاحد ولذلك ألفينا دواوين الحكومة ومحلات الاشغال والتجارة كلها مقفولة وبعد النزول شرعنا فى الجولان والتفرج على مبانها وقصورها ومنتزهاته او آثارها
فهذه المدينة واقعة بين جبلين في مكان منخفض تكثر الحرارة فيها وعدد سكانها خمسون ألف نسمة ومينها تجارية وأهلها لهم مهارة كبيرة فى البحر ولها شارع طويل يعرف بسوق) هرمس (بندى من طريق (بيريرا) و ينتهى بالمنتزه الكائن أمام سراية الملك وقصر ملك اليونان مبنى من الاحجار المرمرية على ساحل جبل وله قاعة ظريفة و يرى من الخارج على شكل بسيط ليس من الابنية الضخمة وأمامه حديقة للنزاهة مغروس فيها أشجار مرتفعة و يوجد أيضاً في بعض شوارعها أشجار مو رقة طول السنة ومبانيها معتدلة يظهر من حركة رجال البوليس انها منتظمة كما ان أهاليها ذو و فطانة و آداب وظرافة حيث اننا كلما سألناهم عن أحوالهم نجد منهم اقبالا زائدا لمجا و بتنا بأسلوب لطيف ولسان ظريف غيرانه اعدم اعتياد هم رؤية الملابس العربية خصوصاً ملابس المغار به يتعجبون منا و يقفوا أثرنا فى رحبات تلك الشوارع أينما توجهنا وكلما انتقلنا لا فرق في ذلك بين رجالهم ونسائهم وأما البنون والبنات فلا تسئل ومع ذلك لم نرمنهم ما يخل بالآداب والمروءة ولم نسمع منهم كلمة تحط بشرفهم ومثل هذه الافعال تقع من الار و باويين كثيرا سيما الجهات البعيدة الغير المالوفة باحوال العرب وهذه المدينة لا يتمكن الغريب أن ينال لذة النزهة والفرجة فيها لقلة سكانها من جهة وشدة حرارتها من جهة أخرى زمن الصيف وفى الشتاء بالعكس يشتد البرد و يقال ان فيها من آثار قدماء اليونان ما يعجب الناظرين ويسر السواحين ونحن لضيق الوقت لم
نستطع الوقوف عليها ومهما كان من الامر فهى لا تخرج عما بيناه من آثار ايطاليا وقدماء المصريين فلما مضى علينا ساعتان بهذه المدينة رجعنا الى (بيرا) ثم صعدنا باخرتنا وقت الزوال و في الساعة الثالثة مساء يومنا غادرت السفينة المدينة وصوبت وجهتها الى الاستانة العلية وهى تمخر فى اليم وسط جزائر متعددة ذات جبال شامخة وطرق السفن في بحر الارخبيل الذى هو بحر اليونان مشهور بالصعوبة لما فى داخل البحر من جبال حجرية وقد لا تهتدى البحارة الى
معرفتها فتقع مراكبها فى العطب المؤدى الى الهلاك والعياذ بالله ولم يزل المركب سائر ا بنا في حفظ الله الى الساعة السادسة من صباح يوم الاثنين افتتاح مارس فقارب من بوغاز الدردنيل الواصل بين بحر (مرمره) و بحر (الارخبيل) وهذا البوغاز من أعظم حصون البحرية في مملكة العثمانيين وأكبر ثغورلها وعليه مدار حفظ الاستانة من الاجانب وله وقائع حربية مشهورة امتلأت منها بطون التواريخ وكلها حفظت للعثمانيين الفوز والنجاح وخلدت لهم ذكر احسنا و قد اعتنت به ملوك آل عثمان من زمن بعيد وشيدوا فيه حصونا قوية ذات باس شديد و زاد اهتمام المتاخرين من رجال الاتراك بهذا البوغاز فاكثر وافيه حصونا ما نعة على خطوط هندسية يحمى بعضها بعضا و أوسعوا فيه قلاعا ضخمة ذات مدافع هائلة في الضخامة والمتانة وشيدوا فيه ثكنات للعساكر على طول شواطئه وهو جميل المنظر حيث ان السفينة قدرست اتجاه قرية تسمى (شنقله) و بعد ذلك دخلت في مضيق (الدردنيل) ومرت على مدينة) غاليبولى) فى الساعة (9) وهى أيضا من جملة الحصون التابعة لهذا البوغاز و بها مدافع الحصار صوبت أفواهها الى جهة البحر وفيها جبال معتدلة وضواحها ذات أراض زراعية و بساتين جميلة وبعدها مررنا على جزيرة (سارنو) وهى بداية بحر مر مره ونهاية بوغاز (البوسفور) الواصل بينه و بين البحر الاس فلما دخلنا هذا البحر وخاضت السفينة البخارية في أعماقه علمنا أننا
سود