التحفة البهية في الرحلة الشرقية
الجزء ١ · صفحة ٥٥107
1.7
المدينة و في يوم الخميس رغبنا فى مشاهدة الحربية ومعاينة الجيوش ورجال العسكرية فذهبنا صباحا ولما كنا بمقربة من الثكنات العسكرية ابتدأنا نلمح حركات العساكر وتمريناتهم فكان كلما مر بنا أحدهم يسلم علينا منحنيا برأسه وحيانا بما يناسب مقامهم من الادب فبينما نحن نتراوح امام نظارة الحربية اذ بضابط من ضباط الجيش بنادي باعلى صونه و بلفظ عربى فصيح وهو يقول «تفضلوا يا سادتى الضيوف فتعجبنا منه واستغر بنانداءه حيث اننا فى مكان حربى ولا معرفة لنا سابقة معهم ومما زاد نا غرابة ان كلمنا باللسان العربي ونحن قد شاهد نا من عامتهم عدم معرفتهم اياها فاجبنا دعاءه وتقدمنا اليه وقلنا عسى ان يكون وراء هذا النداء خير ثم ابتدأنا بالسلام وقلنا له حبا وكرامة لما دعوته فرد علينا السلام متبسما قائلا أترغبون مقابلة حضر تلرى افندم ناظر الحربية أنور باشا فقلنا له نرغب ذلك بكل مودة وسرورفا جابنا بان عطوفة أنور باشا هو الذي أمر بحضورنا لديه وكان قد لمحنا حين مروره ثم تقدمنا جميعاً الى داخل النظارة فأجلسنا بمقصورة الانتظار ومحل جلوس الوزراء والاعيان قالفيناها مفروشة بأنواع الابسطة الثمينة وفيها من الكراسى المزينة بالذهب والفضة وكذا الستاير الحريرية من أفخر الحرير وغير ذلك مما يدهش القلب وياخذ بالابصار ولم عض علينا ربع ساعة ونحن نتعجب من تشييد هذه الدار ومبلغ بهجتها في الزينة حتى صدر الامر العالى بالدخول لدى جناب الوزير الفخيم وناظر الحربية أنور باشا ولم نطرق الباب حتى استوى قائما لمقا بلتنا وحيانا بألفاظ عربية فصيحة رقيقة بليغة تناسب مقامه السامي متواضعا في مقاله مع ما عليه من عزة النفس وسلطان القوة فحينئذ تقدمت خطوة الى الامام فقلت له بعد أداء التحية الواجبة مولاي وسيدى عطوفتلو أنا و رفقائى نشكركم من صميم قلو بنا و خلوص اعتقاد نالى أنعمتم به علينا من المنحة العظيمة بدعوتكم السامية لنا بالتشريف مع جلالتكم وأكثر ثنائى على فخامتكم لما أبديتموه لنا من العطف نحونا كما اننا نعلنكم ان قلو بنا مفعمة بالسرور
وانفسنا تكاد تطير فرحا من الحبور ولا نزال ندعو لكم بدوام مجدكم السامى محفوظا بالعزة والنصر باقين بقاء الدهر) فسر كثيرا لهذا الخطاب لانه يتقن العربية جيداً فامرنا بالجلوس تم سا لنا عن بلادنا ومن أين جئنا والى أين تذهب وما نريده من الاستانة فاجبناه عن أسئلته الجامعة لحالة الغريب وأخبرناه باننا لم اقضينا الوطر من أداء فريضة الحج رغبنا في زيارة الاستانة ودار الخلافة لنتبرك بالآثار الملوكية لانه ليس راء كمن سمع ثم سألنا عن حالتنا مع دولتنا الفرنساوية فافدناه بابنا معها دائما فى أرغد عيش وهناء وهى لا نزال تراعي آداب المسلمين وشر بعتهم وعوائدهم ونحترم مساجدهم و أسمى فى تعليمهم وأخذ هو يثني عليها بانها دولة بلغت شأ وا بعيدا من العلم والآداب وتربية النفوس والاخلاق فضلا عن تقدمها في المصانع والمتاجر وأشار علينا بالتعليم على غطها والاقتداء بها بما فيه صلاح الدنيا فشكره على عظيم نصحه وكان يكلمنا بلسان عربي ووجه بشوش وخاطره نشرح وأطال معنا البسط فى الجلوس بالرغم عن مزاحمة أشغاله ثم أراد أن يامر بعض الضباط ليكون معنا مدة اقامتنا بالاستانة للمحافظة علينا وتلك عادة جارية في الحكومات مع ذوى المنامات العملية فشكرناه على مزيد اعتنائه بنا وعلو همته وغاية تواضعه وعلى جميل أخلاقه وقلنا لانحتاج الى ذلك لوجود من يقوم بنا ثم خرجنا وهو حفظه الله يش يهمنا باطيب الكلام الى باب النظارة فودعنا ونحن متعجبون من هذه الآداب والمحاسن
و في صباح يوم الجمعة قصد نازيارة «أبي أيوب الانصارى» وضريحه بقرية بعيدة عن المدينة بنحو ساعتين فى الطريق البحرى بواسطة السفن البخارية فركبنا سفينة لمشاهدته فوصلت بنا وقت الزوال والمؤذن ينادى حي على الصلاة على المنارة فصلينا صلاة الجمعة مع جموع لا يحصى عددها يجتمعون بقصد التبرك بمسجد هذا الصحابي الجليل و بعد انتهاء الصلاة تقدم الامام الى ضريحه فدعاله بلسان تركى والخطبة كان يؤديها بلسان عربي
ثم رجعنا الى المدينة فدخلناها قبل الغروب بساعتين وأهالى الاستانة مع