التحفة البهية في الرحلة الشرقية أحمد بن الحاج حمو يدّر

التحفة البهية في الرحلة الشرقية

الجزء ١ · صفحة ٥٩

115

114

أن الواحد من هؤلاء التلامذة يكون بارعا فى الفن الذي يرغب الاختصاص به حتى يصبح جنسا برأسه وقسما مستقلا برأيه فتفيض بينا بيع حكمته على مواطنيه فتغدقهم خيرات بطرق يسهل على المتعلمين تناولها بخلاف من تشتت فكره بجمع العلوم فلا يفيد بقدر ما يفيده الاول لانه لم يبلغ الاتقان في العلم درجة الاول حيث كانت وجهة الاول محصورة في شيء خاص لا يشاركه غيره فى حين ان الجامع للعلوم يكون ذكاؤه مجزا بقدر ما أخذه من الفنون ومعلوم ان حركة الف شركة انتفكر فى المعقول والمحسوس تكون قوية أكثر اذا اتحدت أشعتها وضعيفة بقدر ما تتجزأ أنوارها وهذه الطريقة هي التي كان عليها سير التعليم فى القرون الاولى والوسطى ولذا نرى شهرة الامام سيبويه في النمو ولم نسمع له ذكر ا فى بقية الفنون وكذا ابن خلدون وابن الاثير في التاريخ والزمخشري في التفسير وعبد القاهر فى البلاغة وابن سينا فى المنطق والحكمة وغير ذلك من فحول العلم وفطاحل الفكر المنير

و بالجملة فمدينة باريز في العلم هي الوحيدة في قارة أورو با نشد اليها الرحال وتضرب اليها أكباد الابل فهى لا نزال من يوم نشأتها الى يومنا تتقدم خطوات الى الامام لتحفظ لمقامها السباق على غيرها وقد اكتسبت بهذا المبدأ القويم ثفة الآباء فى ابنائهم غربا وشرقا فأوفد وها زرافات من أفلاذهم لتستنير بصيرتهم بما يقتطفونه من المعارف التى هى فى العزة كالشموس و بدروس نافعة تتهذب بها ملايين من النفوس فتمكث تلك التلامذة تجنى اليانع من ثمر تلك المدارس مدة هم في عنفوان شبابهم وازدياد قواهم النامية حتى تمتلى أحقابهم بالنفيس من الجواهر الثمينة ثم يعودون الى أهاليهم وقد بلغوا أمنيتهم

ولم يكن التعليم بهذه المدينة مقصورا على البصير والصحيح بلعم جميع طبقات النوع الانساني حتى ان هناك مدارس لتعليم العميان الصنائع والاصم القراءة وهذا الاعتناء بالغ النهاية في تهذيب البشر وتعليمه مصالح

معاشه حتى لا يصبح عالة على الغير مسكينا طول حياته فقد تضمن التعليم بهذا الاسلوب الحكيم نجاح الامه وفوز مستقبل أبنائها وتكفل أيضا بمصالحهم المعاشيه التى سواد الامه فى أشد حاجة اليها من غير تفرقة في ذلك بين طبقات الرجال وطبقات النساء والفضل فى ذلك ليس راجعا فقط للمعلمين والمتعلمين بل المزية العظمى انماهى للحكومة التي بلغت عنايتها بتأسيس المدارس وتشييد الكليات والجامعات مبلغا أحرز لها سباق التعليم أمام دول عظمى تزاحمها به ذل النفس والنفيس في ترقية مركزها العلمي والعملي فعجزت تلك الدول با جمعها عن الوصول الى أدنى درجة في تهذيب النفوس الذي هو شرط فى كمال العلم فضلا عن الخوض في البحور العميقه من نفائس العلوم فلهذا ترى للانجليزى تكبرا وللالماني اعجابا وللروسى خشونة وللطلياني صلابة وللبلقانى توحشا وللاسبنيولى قساوة وغير ذلك من الاخلاق الفاسدة التي ضررها بصاحبها أكثر من نفعها وهذا خلاف ما نشاهده من رجال الفرنسويين الاحرار البارعين فى الادب ولطافة القول وظرافة الكلام و بهجة المنطق وحسن المعاشرة وكرامة الجوار وعزة النفس وثبات العقل وكمال المروءة والوفاء بالعهد والمحافظة على الوداد وغير ذلك من المحاسن التى لا أحصى ثنا ءلها و يقصر قلمى عن الاحاطه بها فلعمرى يحق لا محالة أن تكون مدينة باريز عاصمة العلم في أرو با باجمعها وسيدة المدن في القارات إسرها وهذا الحكم الايجابي يمكن أن يستدل على نسبته بالاستقراء

والتتبع أو بالمشاهدة التي هي أكبر دليل لا نزاع لجميع العقلاء فيها و مما يحسن الذكر بهذه المدينة مدرسة الصنائع التي في دربة سان مارتين) وهو محل جسيم يحتوى على نحو أر بعمائه قاعه المشحونه بالرسم والتماثيل البخاريه المختلفه النوع والشكل ويوجد باحد قاعاته الفوقانيه لوح من الزجاج الزيبقي و بدائره ألواح من الخشب المال وهو معلق بحائط كالواح الزينة من غير أن يكون خلفه منفذ يستشرف على الخارج لكن اذا قاربت منه ترى السوق القريب من المدرسة وكذا المباني والمارة من الناس وكل