التحفة البهية في الرحلة الشرقية أحمد بن الحاج حمو يدّر

التحفة البهية في الرحلة الشرقية

الجزء ١ · صفحة ٧

11

الموافق (10) اكتوبر سنة (1913) شيعنا الجم الغفير الى محطة بلدتنا معسكر ثم ودعت الجميع وأعينهم تقيض من الدمع وصا فحتهم داعيا لهم بالدعاء الصالح ثم ركبنا القطار السريع قاصدين مدينة الجزائر التي منها سفرنا وعليها

رجوعنا

وصاحبنى فى هذا السفر المبارك ابن أختى السيد محمد الشريف ولا زمنى مدة سفري حتى رجعنا من الحجاز الى مصر بعد أداء الفريضة وتركته مجاورا بالازهر الشريف لطلب العلم كما أنه ركب معنافر يق من أصحابنا ليؤنسنا بأطيب الكلام ويصبرنا على مشاق السفر فوصلنا الجزائر عاصمة القطر الجزائرى الساعة السادسة صباح يوم الجمعة وأقمنا فيها بقية يومنا و يوم السبت وصباح يوم الاحد وكانت معارف ا فى هذه المدة القصيرة تتراوح علينا غدوا وعشيا فغشينا السرور بهذه الوجهة المقدسة الى الامكنة المطهرة التي لا تشد الرحال إلا الها

غير أنه خالط هذا السر ورما اعترانا بمفارقة الاحباب حين أزف الركب على الرحيل من الكتابة والحزن وشدة الاشواق ورقة العطف والاشتياق فامتزج ذلك الفرح بتلك الاحساسات النفسانية والانفعالات الوجدانية فتغلبت جيوشها على جنود القلب فسابت منه الصبر ونزعت منه الثبات فجاءت الدموع كالمطر المدرار تتدفق والكبد من التأثير الباطنى بالاسى

يتمزق فذرفت در رمجراها العينان وتلوثت من لجين مائها البنان فلولا أن الله ألقى فى قلو بنار وحا من عنده وثبانا من فيضه ورحمة من فضله حتى استرد القلب صبره والفؤاد تمزيقه لكنا من شدة الوجد سكارى وفى واد من التيه حيارى

ثم ودعنا القوم بجأش القلب وركبنا فى الساعة السادسة صباح اليوم المذكور الموافق (13) ذي القعدة سنة (1331) (13) اكتوبر سنة (1913) سفينة بخارية في الدرجة الثانية وتعرف بيورك الالمانية فصعد بعض أصحابنا

معنا و بقينا نتجاذب أطيب الكلام حتى الساعة العاشرة فنزل الى البر أصحابنا تم رفعت السفينة مراسيها وأخذت ترد اليها مقاذيفها بعد أن كانت ثقلت بها نفسها وفكت من الوثاق حبالها وهى تظللنا سحابة من بخارها وتحكى لنا نغمات البلابل مزمارها وشرعت في التباعد قليلا فقليلا عن الشاطئ وربانها في النهاية من

الكمال فى السرعة فى حركاتهم كانهم فى ألعاب رياضية أو اشارات عسكرية ونحن على ظهرها كالصبي في المهد محدقين الى البلد والشواطئ وما أحاط بها من البساتين فنرى كل ذلك يتصاغر فى رأى العين شيئا فشيئا حتى خفى عن أعيننا كانه لم يكن شيئا مذكورا و بقينا ما بين سماء وماء والسفينة تمخر فى اليم بمقدمها ومؤخرها من غيران يحصل لنا فى سيرها ألم فكانها حية تسعى حبوا على بطنها فوق كثيب من الرمل ترى لها طريقا ولا تسمع لها حسا ولا صوتا ولا هم او تجرى بنا فى موج كالجبال فتشتتها قطعا تذهب بها أدراج الرياح ولا يقف أمامها موج إلا جعلته كانه لم يكن شيئا مذكورا في الوجود فلم سبق لسلطان البحرقوة ولا لجنوده سلطنة على المراكب البخارية بل أصبح البحر بما فيه من عجائب الحيوانات أسير اللبحارة وطوع أمرهم يسخرونه في طرقهم كيف شاؤا وسواء فى ذلك الامكنة العميقة والمحيطات المتلاطمة عكس حالة المتقدمين حيث كانوا دائما تحت أمارة البحر وسلطنة جنوده وجيوش الارواح تجرى بما لا تشتهي السفن لما فى تلك الاساطيل التي لا تخرج عن أخشاب ومسامير وقلاع من الضعف المستمر الاست وأما الاستعداد القائم على قدم وساق من حيث المأكل والمشرب فقد تقدم وصفه فلا حاجة لاعادته ولما كان الطبع من حيث هو عميل بطبيعته الى جنسه وهو اليه أقرب تجدر كاب السفينة تميل أنفسهم مع اختلاف أجناسهم الى معرفة بعضهم بعضا يصعدون في النهار فوق السطح ويتجاذبون الملح من الكلام و بعض النوادر بالادب والكمال والتفرج على المناظر