النشاط الثقافي في ليبيا
الجزء ١ · صفحة ١٣٠النشاط الثقافي في ليبيا
القرن الثاني وأعلام المواطنين تظهر، وبحوثهم تزدهر، وجهودهم تتكاثر. وحيث كان اهتمامنا موجهاً لليبيا وحدها فسنقصر أنفسنا على الأعلام الليبيين، سواء ازدهروا داخل ليبيا أو خارجها، وسواء ولدوا في ليبيا أو استوطنوها واتخذوها لهم. مقاماً.
ونحب قبل ان نعرض لأولئك الأعلام وأهم جهودهم أن نلفت النظر إلى حقيقة هامة أخصبت الدرس الإسلامي في ليبيا. ألا وهي موقعها المتوسط بين الشرق والغرب (بما في ذلك بلاد الأندلس)، وكثرة مرور العلماء بها مشرقين أو مغربين وقد أعطى هذا فرصة لليبيين أن يلتقوا بأعلام العلماء دون رحلة ودون أن يخل ذلك بثقافتهم أو ينقصهم من علمهم شيئا. ومن أشهر العلماء الذين مروا بليبيا وألقوا دروسهم فيها - بالإضافة إلى من سبق ذكرهم في الفصل الرابع من الباب الأول - الإمام سحنون بن سعيد ابن حبيب التنوخي الذي انتشر مذهب الإمام مالك بالمغرب على يديه، وبمدونته حظ مذهبه في افريقية. وقد ولي سحنون منصب القضاء بالمغرب دون أن يتلقى عليه أجراً، وبقي فيه ست سنوات إلى أن مات سنة 240. وكان قدومه إلى افريقية سنة 191 ويبدو أنه نزل أول مانزل بمدينة «أجدابية»؛ فقد ذكر حمديس القطان أنه سمع سحنون بن سعيد يقول: «سمع مني العلم سنة إحدى وتسعين ومائة أهل اجدابية». ثم انتقل بعد ذلك إلى طرابلس فاتخذها مقاما له فترة من الزمن. وقد كان سحنون شديد الإعجاب بتلاميذه فخورا بهم، كثير الثناء عليهم؛ فقد حدث أبو العرب قال: أخبرني جبلة ابن حمود الصدفي، قال: سمعت سحنون بن سعيد يقول: كان بإفريقية رجال عدول بعضهم بالقيروان وتونس وطرابلس .. ». وذكر من فضلهم، وما رأى منهم فقال: «لو قرنوا إلى مالك بن دينار لساووه». وسئل سحنون لما رجع لإفريقية عن الصالحين فقال: رأيت رجالا ما الفضيل
1 - أبو العرب: طبقات ص 186، وتجد ترجمة سحنون في نفس المرجع ص 184 - 187. 2 - عالم محدث مات بالبصرة سنة 130 اخذ العلم عن انس بن مالك وسعيد بن جبير وعطاء بن ابي الأحنف وغيرهم (هامش رقم 2 ابو العرب: طبقات ص 54)
3 - المرجع ص 54
126