النشاط الثقافي في ليبيا من الفتح الإسلامي حتى بداية العصر التركي أحمد مختار عمر

النشاط الثقافي في ليبيا

الجزء ١ · صفحة ٢٠٣

بالشعراء المجان وتهاجم أولئك الذين أفنوا عمرهم في الجري وراء حبهم وأولئك المداحين المتكسبين بالشعر أو الهجائين المقذعين. كما تهاجم أولئك الذين اشتهروا بالفخر بأنسابهم وقبائلهم؛ لأن موضع الفخر الحقيقي هو العمل الصالح، والانتماء إلى أهل الدين والصواب.

ولعل هذه الأبيات تكشف لنا عن حقيقة هامة. هي أنه لا مكان لمعظم أغراض الشعر عند الأباضيين، وأنهم لم يكونوا يرتاحون للأغراض التي يجود فيها الشعراء عادة مثل الغزل والفخر والهجاء والمدح ووصف مجالس الخمر ورحلات الصيد، وان معظم شعرهم كان من النوع الديني أو شعر الحكمة، بالإضافة إلى بعض الموضوعات التي لا تخدش تقاليدهم مثل الرثاء والحرب والوصف والفخر بالعمل الصالح والإخلاص في العقيدة.

ولا تخلو هذه القصيدة - كأخواتها من الركاكة وضعف الأسلوب والضرورات الشعرية مثل منع «محمد» من الصرف في البيت الأول. وتخفيف ياء «النبي» في البيت الثاني، وقصر ياء ياقوت» في البيت الخامس وغير ذلك.

وأما أبيات الشيخ أبي عبد الله فتقطر حسرة وأسى، وتجسم خيبة الأمل التي أصيب بها الشاعر حين وضع ثقته في غير ثقة. وعلى الرغم من أن التجربة مألوفة، والإحساس بها كثير الوقوع فقد استطاع الشاعر أن يضعها في شكل تعبيري رائع فيه براعة الصياغة وخفة الوزن. وقد تدرج الشاعر في التعبير عن خيبة أمله في صديقه حين نفي عنه أولاً صفة الخيرية مع عامة الناس، ثم نفى عنه هذه الصفة مع أصدقائه وإخوانه. وإن كنت ألمح في تكرار كلمة «الإخوان» في البيت الثاني عيبا كان في مكنة الشاعر أن يتخلص منه اذا استبدل بإحدى الكلمتين - والأولى أسهل لعدم ارتباطها بالقافية – أخرى مرادفة لها.

أما الشعراء الذين وفدوا على بلاط الدولة الرستمية – وقد كان إقليم طرابلس ولاية تابعة لها - فأشهرهم بكر بن حماد بن سهل بن إسماعيل

197