النشاط الثقافي في ليبيا من الفتح الإسلامي حتى بداية العصر التركي أحمد مختار عمر

النشاط الثقافي في ليبيا

الجزء ١ · صفحة ٢٠٩

ألبرت اسبينولا .. أنني ألتزم لمولانا السلطان الملك المنصور السيد الأجل العالم العادل سلطان القدس والبلاد المقدسة وبلاد الساحل وفتوحات المسلمين وفتوحاته سلطان طرابلس الساحل إلى طرابلس الغرب أنهم (أي الجنوية) يحفظون ويحترمون ويكرمون جميع المسلمين لمولانا السلطان الملك المنصور»

49

ويعد النصان الثالث والرابع أهم ما سجل لهذه الفترة، وهما يكشفان عن خصائص الكتابة الديوانية على ايدي المحترفين حينذاك. أما النص الأول الأول منهما فقد كتب في القرن الرابع الهجري، وفرسان حلبته ثلاثة: أمير المؤمنين الفاطمي، ومولاه المقرب جوذر، وواليه على برقة وطرابلس عبد الله بن يخلف اليكتمي. وهذا النص ذو شقين؛ فشقه الأول مكتوب على لسان جوذر، أما شقه الثاني فعلى لسان عبد الله بن يخلف. وفي الشق الأول لا نجد أي نوع من التكلف وإنما أرسل الكلام فيه إرسالا، وأطلق على سجيته، وخلا من عبارات التمجيد المبالغ فيها لأمير المؤمنين الفاطمي. ولعل ذلك يرجع إلى ثقة جوذر في مكانته عنده وقربه منه مما رفع الكلفة بينهما. وجعل الكاتب يتحرر من عبارات التفخيم والتكريم التي لا يكاد يخلو منها مثل هذا المقام. وأما الشق الثاني - فعلى العكس من ذلك - تبدو فيه الأناقة التعبيرية، والعناية بجانب اللفظ وتكلف المترادفات وكثرة الجمل الدعائية المعترضة. هذا إلى جانب حشوه بعبارات التفخيم والتمجيد، والدعاء والتسليم لكلا الطرفين أمير المؤمنين ومولاه المقرب جوذر. وأي فرق تجده بين «وأتم نعمته عليك» و «تابع آلاءه لديك» حتى يذكرهما الكاتب جميعا؟ وما الداعي إلى قوله «وأردت الوصول فيه» بعد قوله «فاعمل على الوصول إلى الحضرة المباركة أي يوم يتهيأ لك»؟ ونعجب أشد العجب حين تقول الرسالة: «انتهى إلينا كتابك ووقفنا على جميعه من بعد أن وقف عليه مولانا» فكيف يطلع عليه مولاه قبل أن يطلع عليه هو، والكتاب موجه إليه؟ ولكن هي. المبالغة في الاحتياط والتحرز عن مواطن الشبهة، وتكلف الأدب حين توهم الكاتب ان سبق الاطلاع قد يعني سبق الرتبة. وفي رأيي أننا لو

49 - تشريف الأيام والعصور، مقتبس في ليبيا في كتب التاريخ والسير ص 266.

203