تجارة بني ميزاب
الجزء ١ · صفحة ٢٣تجارة بنى ميزا
(42)
أو ما سماها الدكتور بحاز إبراهيم بالتجارة الخارجية مع المغرب والمشرق العربيين. لقد لعبت تيهرت دور حلقة الوسط بين المشرق والمغرب العربي كما لعبت دورا هاما للتجارة نحو الأندلس عن طريق موانئها. ولقد لعبت القوافل الإباضية الوافدة من المشرق دورا هاما في تأسيس الدولة الرستمية كما هو معروف بتمويلها لعبد الرحمان بن رستم وكذا من الجانب الثقافي بحمل الكتب .. الخ. وحتى لا أفصل في أنواع الصادرات والواردات ولا الطرق والمسالك، سأركز على نقطة أو تقنية خطيرة هي إستراتيجية التفوق التجاري أو ما يمكن تسميته بالأمن الاقتصادي ولتفسير ذلك سنروي هذه المقولة التي أوردها الدكتور بحاز إبراهيم في كتابه (الدولة الرستمية: دراسة في الأوضاع الاقتصادية والفكرية) نقلا عن الأستاذ بروفنصال حيث قال: "الخليفة الأموي عبد الرحمان الثاني دعم علاقات الصداقة بينه وبين أئمة تيهرت رغم الاختلاف المذهبي لضمان تمويل رعاياه" بالحبوب. إنها إستراتيجية التبعية الغذائية وقد تكرر هذا التصرف في حكم الأتراك عندما حاول بعض الوشاة النيل من الميزابيين عند الباي فرد الباي عليهم أن دولته تحت أيديهم نظرا لتحكمهم في مقاليد
التجارة ببلاده.
ولو لاحظنا لوجدنا أن هذه الإستراتيجية هي من موروثات الدولة الرستمية بحيث عمد الميزابيون إلى السيطرة الاقتصادية لضمان الوجود وهي إستراتيجية هجومية تنجم عن الإغراق للتبعية بحيث يصبح التابع في حاجة ماسة إلى المتبوع. وبذلك ضمنوا وجودهم إن قديما أو حديثا. وهذه الإستراتيجية من أخطر الإستراتيجيات في النظام الدولي الحديث، وقد تنبه لها الرستميون قديما وحتى الميزابيين في عهد الدولة التركية بالجزائر، وهي نظرية الأمن الاقتصادي والملاحظ كذلك أن الرستميون قد صكوا لأنفسهم
تجارة بنى ميراب
(43)
عملة خاصة بهم وهي أكبر دليل على القوة الاقتصادية التي كانوا
يحظون بها.
النقطة الثانية الخطيرة: وهي من أوجه التشابه إن بالصدفة أو بالممارسة وهي وجود التجار اليهود فقد لعب التجار اليهود في الدولة الرستمية دورا هاما حسب د. إبراهيم بحاز إذ كان لهم درب خاص يسمى بالرهادنة كما يذكر ابن الصغير المالكي وكذلك الراذانية وغيرهم ....
والملاحظ أن التجار اليهود في وادي ميزاب قد كان لهم دور كبير في التجارة والتعامل مع الميزابيين. ولا شك أن لعامل الاحتكاك المتواصل وكذلك كثرة التعاملات ما أكسب الميزابيين بفطرتهم وحذاقتهم القدرة على أن يأخذوا شيئا كثيرا من التقنيات التي لا تتنافى مع أصول هذا المجتمع الإسلامي ومبادئه من التجار اليهود كاللباقة والكياسة والصبر ودماثة الحديث والمعاملة واعتماد مصادر التموين
وطرق التخزين وشبكات التنظيم وغيرها .... التجارة الخارجية العابرة للصحراء: لقد لعبت الصحراء الكبرى والتي تشكل الجزء الأكبر من الدولة الرستمية خاصة في أقصى شرق الدولة دورا هاما في التاريخ الاقتصادي لا سيما التجاري منه، والتي أطلق عليها التجارة العابرة للصحراء، إذ كانت تنطلق من تيهرت وبعض المراكز التجارية الأخرى نحو بلاد السودان الغربي إذ أنه حسب د بحاز إبراهيم: "كان لهذه الطرق أربع مسالك رئيسية. وكانت تدر أرباحا كبيرة على الرستميين، إذ كان أهم ما يجلبونه هو الذهب والرقيق. ونظرا لصعوبة هذه التجارة فسوف نرى كيف كان تخطيط الرستميين ومن ثم كيف استفاد الميزابيون من هذه التجربة. كان للتجارة العابرة للصحراء مصاعب جمة تتلخص فيما يلي: - صعوبة المسالك عبر الصحراء