تجارة بني ميزاب: تجسيد المنهج الإسلامي في إدارة الأعمال التجارية بوداود بومدين

تجارة بني ميزاب

الجزء ١ · صفحة ٣٠

تجارة بنى ميـ

(56)

فقد تواصلت إمامة الكتمان التي أعلنت في وارجلان وسدراتة. واعتبرت العزابة هي المؤسسة العليا لتسيير مصالح البلاد. كما أحدثوا بعد ذلك هيئات أخرى شكلت التنظيم الحالي كـ مجلس عمي سعيد، ومجلس با عبد الرحمان الكرتي وأبي مهدي عيسى بن إسماعيل. وواصلوا في التنظيم الاجتماعي فتحولت العزابة من حلقة علم إلى مجلس إداري ينظم شؤون البلاد والعباد وهو صاحب الحل

والعقد كما سوف نرى. على الصعيد التجاري

لقد عرف الميزابيون أنهم في وسط يجب عليهم فيه اتخاذ احتياطات أمنية بالغة لا سيما لوجود كثرة المعادي وانتشار المخالفين من جهة وانحصار الإباضية في وادي ميزاب ووارجلان من جهة أخرى. وقد استغلوا معرفتهم بالتجارة بعد انطلاقتهم في نظام الغربة فنجد أنهم تحكموا في مقاليد التجارة إبان عهد الدولة التركية وأصبحت بذلك وسيلة ضغط وتهديد للباي بالانسحاب من الجانب التجاري وهو ما شكل تهديدا للأمن الاقتصادي للدولة التركية المرتبطة ارتباطا وثيقا بالميزابيين. وقد سبق وأن رأينا في الدولة الرستمية أن الرستميين قاموا معاهدات مع عبد الرحمان الثاني الأموي لضمان تمويل دولته بالحبوب وهو تشابه وثيق بين

الإستراتيجيتين. الدبلوماسية:

عرف الميزابيون عدة معاهدات لحماية تجارتهم ابتداءا من العهد العثماني. وحتى إبان الاحتلال الفرنسي وذلك كما يلي: معاهدات العهد العثماني:

تجارة

مارة بنى ميزا

(57)

تميزت علاقة الميزابيين مع الدولة العثمانية بإبرام معاهدات حماية، دون سيطرة واستيلاء العثمانيين على وادي ميزاب، باعتباره منطقة خاصة تحت الوصاية ولها الحرية كنظام مستقل. ونظرا لكثرة وانتشار التعاملات التجارية للميزابيين في العهد العثماني في الجزائر وذلك بنظام الغربة الذي تعود بداياته إلى تلك الفترة تميزت هذه العلاقة بإبرام عدة معاهدات أهمها: معاهدة سنة 1510 م

تمت هذه المعاهدة بين الدولة العثمانية ووفد من الميزابيين وذلك لحمايتهم وحماية قوافل تجارتهم، وتأمين المواصلات والسماح لهم بمزاولة أعمالهم الحرة في كل المدن التابعة للدولة العثمانية وسميت بمعاهدة الحماية مقابل خراج سنوي يقدر بما يساوي 45000 فرنك فرنسي، و 12 عبد و 12 أمة. وأن لا يساعدوا أو يأووا

أي قائم على الدولة التركية أو مناهض لها وكذلك شروط أخرى. والملاحظ أنه كان الهدف الإستراتيجي من وراء هذه المعاهدة

هو ضمان عدم استيلاء الأتراك على وادي ميزاب. وكذا تأمين قوافل التجارة من أعداء الميزابيين المنتشرين بكثرة وقد كانت هذه المعاهدة بمثابة معاهدة "ولاء ودفاع مما جعلهم يشاركون مع الأتراك في معركة كدية الصابون سنة 1518 م ضد الإسبان في معركة حسين داي. ولقد ساعدت هذه المعاهدة الميزابيين على الانتشار الكثيف في مدن الشمال والتحكم في مقاليد التجارة والنشاط الاقتصادي مما جعلهم قطبا وقوة اقتصادية هامة في البلاد بل وجعلهم القوة الاقتصادية العظمى خاصة التجارية ورغم ذلك فإن العثمانيين لم يؤدوا كامل التزاماتهم للميزابيين من حيث تأمين القوافل والتجارة مما عرض الكثير من قوافلهم للنهب والسطو من قبل أعدائهم وقطاع الطرق مما جعلهم يلجئون إلى التسلح لحماية قوافلهم واتخاذ احتياطاتهم كاستئجار بعض الحراس وغيرها