تجارة بني ميزاب
الجزء ١ · صفحة ٣١تجارة بنى ميراب
(58)
وفي ذلك يقول الشيخ البكري - رحمه الله - واصفا علاقة بني ميزاب بالدولة التركية
"كان الإباضية في ميزاب إلى عهد الدولة التركية منعزلين في وطنهم لا يكادون يتصلون بخارج محيطهم اللهم إلا ما كان من زيارة بعض شيوخ دعوتهم وما على ذلك من انتقالات جزئية مستقلين فيه استقلالا تاما حتى إذا استقرت قدم الدولة التركية بالجزائر وأخذ نطاق استقلالها يتسع، وجدوا أنفسهم بين شدقي ضيغم ووضعهم على خطر إن لم يحتاطوا لمستقبلهم، وسارعوا إلى المفاهمة مع هذه القوة الزاحفة مفاهمة يحفظون معها ذاتيتهم واستقلالهم، وإلا عصفت بهم رياح الحوادث وياما أكثرها ولا سيما وهم أقلية.
وفعلا اتصلوا بالدولة التركية، وقرروا تبعيتهم إليها تبعية اسمية فقط أو بعبارة أوضح دخلوا تحت حمايتها مقابل خراج سنوي يدفعونه لها، ولهم مقابل ذلك حق الاتجار والاكتساب في مدنها وحماية أشخاصهم وأموالهم في أسفارها عبر بلادها، فهل أمنتهم في أسفارهم وحمتهم من قطاع الطرق حقا؟.
كلا فالذي يقصه علينا التاريخ أن الدولة التركية لم تعر إلى هذه الناحية أدنى التفاتة، بل ألقت الحبل على الغارب وتركتهم عرضة للنهب والسلب والترويع فلا يخرجون من بلادهم أو إليها إلا قوافل مسلحين استعدادا للطوارئ وتحت حماية بعض أبطال ذلك الزمن منهم الذين يستأجرونهم لذلك مخافة أن يذهبوا هم وأولادهم ضحية، فكم من جماعة سافرت إلى وطنها بعد أن أمضت سنين في الجمع والاكتساب تخرج عليهم جماعة مجرمة من قطاع الطرق فتجردهم من كل ما ملكت أيديهم وتتركهم عراة صفر اليدين". مراسلات إبراهيم بيحمان
تجارة بنى
(59)
اسلاته
الحاج إبراهيم بيحمان هو أحد تلاميذ الشيخ عبد العزيز الثميني مؤلف كتاب النيل الشهير. وقد لعب دور عبد الله بن أباض مع عبد الملك بن مروان من خلال مراسلاته الشهيرة، وتعد مر كوثائق هامة للتاريخ لواقع العلاقات التركية الميزابية. والشيخ إبراهيم بيحمان هو الذي فاوض باي الجزائر حسن الدولاتي، في شأن خضوعهم للباي صالح الذي وصل إلى جبال العمور والصحاري أو بقائهم على الصورة الأولى التي كانوا عليها في معاهدة سنة 1510 م. وقد استخدم لذاك الطريقة الأولى أي الأمن الاقتصادي وذلك بتهديده له بالانسحاب من المجال التجاري الذي قد مسكوا مقاليده (وهنا تظهر أهمية رأس المال الميزابي المتداول في السوق بالنسبة لاقتصاد الدولة التركية). إذ كان يحسب لهم ألف حساب وقد عرفت مكانتهم في الاقتصاد التركي (الجزائري). ويقول الشيخ البكري:
"فلما أخضع الباي صالح جبال عمور والصحاري وما حواليها حدثته نفسه بتحويل تبعية ميزاب إليه، ففاوض في الشأن باي الجزائر حسن الدولاتي، فقيل إنه أجاب طلبه نظرا لإخلاصه وحسن، بلانه بيد أن الميزابيين ثارت ثائرتهم واضطربوا اضطرابا شديدا لما يعلمون من سوء نواياه كما يصرح بذلك جوابهم إلى باي الجزائر الذي أعلنوا فيه في شمم رفضهم لتبعيتهم للباي صالح، فإما أن يبقيهم على الحالة الأولى من تبعيتهم للسلطة المركزية، وإلا فليسرحوا أبناء ميزاب الذين دخلوا بلادهم بأمان وأرض الله واسعة الفضاء، حرر الكتاب نيابة عن ميزاب بأسره الشيخ الحاج إبراهيم بيحمان أحد تلاميذ الشيخ عبد العزيز الثميني صاحب النيل، وأحد شيوخ يسجن بعده ومما جاء في الكتاب: " … من المسلمين عليك جموع بني ميزاب المشتكين إليك ما نزل بهم مما لا طاقة لهم به، وذلك أنهم سمعوا أنك تريد أن تضرب عليهم الغرامة المالية على يد