تجارة بني ميزاب
الجزء ١ · صفحة ٤٩تجارة بنى ميسراب
(94)
أجور العمال المستديمين الكبار، وذلك تسلسل في أجيالهم حسب التجارة والمغامرة فيها. واصطبحت الغربة عندهم من لوازم الحياة لا تستقيم بدونها ولا يمكن أن يتكون الرجل على النمط الذي يريدونه لأجيالهم إلا إذا أخذ قسطه من حياة الاغتراب وجرب قدرته على الحركة في إطار أوسع من إطار بلد واحد ضيق ومحدود وبهذا الأسلوب من التربية، فإن الحياة لا تضيق على الميزابي وإنه كفيل أن يشق طريقا لحياة شريفة ونظيفة ثم مريحة.
-4 - تحديد مجالات العمل: كان من أهم نقاط التنظيم الحرفي الذي اتبعه بني ميزاب في توجيه أبنائهم في بلاد الغربة هو تحديد مجالات العمل. فلم يسمحوا للإباضي المغترب أي يزاول في ديار الغربة عمل يدر عليه كسبا كيفما كان وإنما حددوا مجالات العمل بناءا على فلسفة انبنى عليها كل تخطيطهم لحياتهم في ديار الغربة، فحرصوا أن تكون تلك المجالات مما يتيسر فيه العمل الجماعي لأنه يقوم على تعاون مجموعة من الناس تسيرهم أنظمة ثابتة وبأن تتوفر في ذلك المجال صورة للبيئة التي كانوا يعيشون عليها في بلدانهم، وأن تكون تحت الإشراف المستديم، وأن تكون بعيدة عن متناول ما يحرم، وأن تكون من طبيعتها تدعو للتجمع والتكتل، وأن تكون مما يتيسر فيه تنظيم الوقت. فحددوا العمل عندهم في ثلاث مجالات التجارة بالدرجة الأولى ثم الصناعة ثم الحمامات. واحتكروا لأنفسهم القصابة المركزية بالجزائر العاصمة، ولم يسمحوا لأبنائهم بالعمل بالزراعة خارج وطنهم سواء كانت بامتلاك المزارع أو بالعمل عند المزارعين أو المعمرين ولم يسمحوا لهم أيضا أن يقوموا بالأعمال البدنية في المنشآت أو الموانئ أو غير ذلك من المجالات الكثيرة التي يجد فيها الأفراد مجالا للكسب. ونظرتهم في هذا أنهم يحرصون
تجارة بنى ميزاب
(95)
بالدرجة الأولى على دينهم وبالدرجة الثانية على وطنهم ولا يسمحون أبدا لأي فرد أو أي عمل أن يؤثر على أحدهم ولو أطلق العنان لأبنائهم يشتغلون كما يشاءون لصعب الاتصال بهم وتجميعهم فانفرط عقدهم وتورطوا في سلوك يبعدهم عن وطنهم. النقابات المهنية:
هو التنظيم الذي وضعوه ليضمن لهم نجاح المغتربين في أعمالهم بتهيئة الظروف المناسبة التي تساعد على المحافظة على الدين وعلى الاحتفاظ بالخلق القويم وعلى تنظيم عملية الاغتراب تنظيما يكفل لهم مكاسبهم ويجنبهم المشاكل والضرار. وقد شكل بنو ميزاب هذا النظام خشية على أبنائهم من الضياع في زحمة الحياة رصوا أن يكون لهم في كل بلد فيه مجموعة من بني ميزاب هيئة من أهل الخبرة والرأي والصلاح تشرف على أحوال المجموعة من جميع نواحيها. ويعتبر الشيخ البكري - رحمه الله - أحد الرواد الذين نظروا لهذا التنظيم ولتنظيم الميزابيين في ديار الغربة، فنجده يقول في رسالة مطولة
"للأخذ بتلابيب هذه الحركة الواسعة كونوا في المراكز الرئيسية جماعة أو جامعة تدعى (جماعة الحرفة لها الكلمة المسموعة لدى السلطة الحاكمة، هي أشبه بالنقابة اليوم، تفض المشاكل التي تقع بين العمال ومستخدميهم تقدر الأجور، توجد العمل للعاطلين ترجع المستضعفين - الذين لا يستطيعون حيلة ولا يستهدون سبيلا - إلى وادي ميزاب وقد بلغ بهم الأمر أحيانا إلى طرد الكسالى المتسكعين الذين يشوهون صورة الميزابيين على يد السلطة التي لا تتردد لتطبيق ما ارتأته صالحا بها.