الأطفال والعنف: أصله، منابعه، اكتسابه وطرق علاجه بكير بن حموده الحاج سعيد

الأطفال والعنف

الجزء ١ · صفحة ٤٧

92

الأطفال والعنف: أصله، متابعه، اكتسابه وطرق علاجه المبحث الرابع: دوافع العنف

هل للإنسان دوافع وأهداف يرمي إليها عند ممارسته للعنف؟ بعبارة أخرى ما الحاجات التي يسعى الإنسان العنيف إلى تلبيتها؟ وهل تقتصر وسيلة تلبيتها على العنف فقط؟

دوافع العنف تختلف باختلاف الإنسان وظروفه وحاجاته، ويمكن تعدادها على النحو التالي:

المطلب الأول: الحفاظ على الذات

أ - يظهر ذلك من خلال سعيه الحثيث للحصول على الطعام وعلى ما يُقيم أوده ويمنع عنه الموت فيندفع إلى ذلك بيولوجيا، فالعدوان يظهر في مجرى الزمان كله كتقنية ترتبط أصلا بالكسب، ويكمن دوره لدى البدائيين أصلا في الصيد، حيث يمتزج العدوان والحصول على الطعام، فالعنف أول ما ظهر على الإنسان في شكله البيولوجي حين سعى إلى الحصول على الطعام عن طريق صيد الحيوانات ثم ذبحها وإتلاف جزء منها.

ويقال هذا الكلام كذلك على السارق الذي يسرق أو يرتكب القتل تحت ضغط الاحتياج، ومن أجل سد الجوع واستجابة لدوافع بيولوجية، فالسطو على مال الغير وقطع الطريق وتهديدهم كلها أعمال عنف تستعمل أحيانا لا دائما للحصول على ما يضمن للإنسان استمرار حياته.

1 - مارسيل غوشية، وبيار كلاستر / أصل العنف والدولة/ ص 81.

الأطفال والعنف: اصله متابعه، اكتسابه وطرق علاجه

93

ب - يظهر كذلك دافع الحفاظ على الذات من أي عدو خارجي يتهدده فيضطر للدفاع عن نفسه باستعمال القوة، فيكون بذلك قد حافظ على حياته أو حياة الذين هم بحاجة إلى حمايته.

أو من خلال هدف آخر هو حماية نفسه ومجاله الطبيعي من أن يعتدي عليه الغير ولو وقاية فهو يبادر بالهجوم على غريمه يقينا منه أنه إن لم يفعل سوف يباغت بذلك، فكان هذا المظهر الخارجي للحرب شبيها بالحرب، كما قال ليفي شتراوس" (1908 LEVI-STRAUSS): (إن الحرب صنو الصيد، فهي ورثت عنه شحنتها العدوانية بتحول الصياد شيئا فشيئيا إلى محارب، نظرا لأن الفعل الذي يقوم به الإنسان مع صيده يقوم به مع عدوه باستعمال آلة الصيد أو باستعمال وسائل أخرى، لكن بيار كلاستر (PIERE 1934 - 1977 KLASTRE) نقد هذا الرأي بشدة قائلا: «إن الحرب تنتمي إلى عالم الثقافة وليس إلى عالم الطبيعة، ففي رأيه إن الصيد عمل بيولوجي بينما الحرب له طابع ثقافي اجتماعي، وإذا أمكن تشبيه الحرب بالصيد، فإنه يجوز لنا القول إن الإنسان المنتصر يأكل غريمه الإنسان عندما يهزمه، وهذا مالم

يحدث.

فدافع الحفاظ على الذات ضد هجمات الأعداء من أهم دوافع العنف، وتكون في صورة جلية في صد العدوان والدفاع عن الحق في الحياة والحرية ضد الأعداء والغزاة، فـ أنا الإنسان كما قال فرويد: يحارب في جبهتين، فهو يدافع عن وجوده ضد العالم الخارجي الذي يهدده بالفناء وضد العالم الداخلي الذي يرهقه بالمطالب المفرطة، وهو يتخذ نفس وسائل

1 - مارسيل غوشية، وبيار كلاستر / أصل العنف والدولة/ ص 23.