الإباضية مذهب لا دين
الجزء ١ · صفحة ٨٤تمهيد
إن التباين والاختلاف من سمات البشر لتمايزهم في الميول والمواهب، وفي مداركهم العقليه، يقول الله تعالى: ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحد، ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم) (1).
ومعلوم أن الاختلاف مدعاة للانقسام، والتاريخ حافل بالشواهد الدالة على ذلك، فكل أمة من الأمم قديماً وحديثاً قد انقسمت وهي بصدد تنظيم شؤون معاشها ومعادها إلى فرق وطوائف، أو إلى مذاهب وأحزاب.
والأمة الإسلامية مع أنها مدعوة بنص القرآن الكريم إلى الوحدة وجمع الصفوف ونبذ الفرقة والاختلاف إلا أنها وقعت فيما وقع فيه غيرها من الأمم من الانقسام والاختلاف وقد أرشد القرآن الكريم الأمة الإسلامية إلى المخرج من الاختلاف والافتراق إذا ما وقع لها، فقد قال عز وجل: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً) (2).
فلا غضاضة إذن في أن يختلف المسلمون فيما بينهم، ولا عجب في ذلك ما دام أن اختلافهم في الفهم والتأويل، أو في الفروع والجزئيات، لا في الأصول والقواعد، بل العجب أن يتعصب بعض المسلمين لآرائهم متى ظهر لهم خطأ هذه الآراء أو انحرافها عن جادة الصواب.
وغني عن البيان في أن التعصب للرأي ظاهرة سلبية، لأنه شكل من أشكال الأنانية الفردية أو الجماعية إذ يصعب على الإنسان وقد اكتشف خطأه أو خطأ طائفته أو جماعته أن يعترف بهذا الخطأ، فيحاول الهروب منه ملقياً اللوم على غيره، وقد يدفعه تعصبه إلى تشويه الرأي الآخر أو طمسه ليظهر رأيه بأنه الصواب.
وقد شكى الاباضية كثيراً من التعصب ضدهم، بالافتراء عليهم تارة، وتشويه آرائهم والتشنيع عليها تارة أخرى، فراحوا ينقضون تلك الافتراءات، ويدافعون عن آرائهم، ويشنعون على المتعصبين من أتباع المذاهب المخالفة لهم ويدعونهم إلى وحدة الصف ونبذ التعصب المذهبي (3)، لأن الخلاف الواقع بين المذاهب الإسلامية الموجودة اليوم ليس خلافاً حقيقياً جوهرياً من شأنه أن يؤدي إلى العداوة والبغضاء بين المسلمين فضلاً عن تقاطعهم
وتدا برهم.
161