الشيخ العلامة أبو عمار عبد الكافي التناوتي (500-569هـ): عصره وحياته وفكره سالم بن هلال الخروصي

الشيخ أبو عمار عبد الكافي عصره وحياته وفكره

الجزء ١ · صفحة ٢٢

المطلب الثالث: وارجلان من 450 هـ - 624 هـ]

تعتبر هذه الفترة في تاريخ وارجلان من أحلك فتراتها وأصعب أيامها، فما تكاد تنتهي غزوة إلا ويظهر في الأفق غبار أخرى ولا يخمد أوار ثورة إلا وتشتعل ثورة جديدة، بل ما يكاد يأفل نجم دويلة إلا ويبزغ نجم دويلة جديدة قامت على أنقاض سابقتها وهكذا دَوَالَيْكَ.

" ووارجلان " أمام هذه الصراعات تقف موقف المحايد تارة والمدافع تارة أخرى بعيدة عن سلطان هذه الدويلات، نائية بنفسها عن رحاها "ولقد استطاع العزابة (1) في هذه الفترة أن يحتفظوا بالسلطة كاملة وأن يستمسكوا بقيادة الأمة وأن يحافظوا على النهج القويم الذي كانوا يسيرون عليه من قبل وعندما يشتد الأمر على أهل " وارجلان " ويصعب عليهم صد العدوان وتضيع الحيل أمام الهجوم المباغت يتركون حينها بلادهم شبه مفتوحة لهذه الهجمات الضارية حفاظا على الأنفس فلا يعترضون سبيلها ولا يخضعون لها وإنما يتركونها تمر كما تمر العاصفة يتطامنون لها حتى إذا تجاوزتهم وقفوا (3). ويبدأ تاريخ البلاد السياسي في هذه الحقبة بالدولة الصنهاجية والتي بعد رحيل الفاطميين إلى مصر ولقد بقيت هذه أسسها "بلكين بن زيرى"

(?) 11

الدولة على ولائها للفاطميين تدين بالمذهب الشيعي ومع مرور الأيام بدأ هذا الولاء يتقلص شيئا فشيئا حتى انقطع حبل الوصال في عهد المعز بن باديس الصنهاجي الذي استشعر القدرة على تمام الاستقلال عن الدولة العبيدية الشيعية فقطع الصيغة العلوية من الأذان وجهر بالمذهب السني واتصل بالخليفة العباسي القائم بأمر الله وأمر بالخطبة له على منابر المهدية والقيروان بدلا من المستنصر بالله قال الفاطمي"

(1)

وبلغ بالمعز الكره للشيعة أن أخذ يطارد أتباع المذهب الشيعي بالمغرب ويستأصل جذورهم ويقتل بالشبهة، ولم يقتصر على ذلك فقط بل تطاولت يده إلى الفرق الإسلامية المخالفة ومنهم الإباضية فتزل" عسكر لصنهاجة على قلعة سنة 440 هـ وحاصروها وقتلوا الإباضية بها واستبيح ما فيها

-

بليبيا درجين وهدمت (2)

-

بني

مما دفع من بقي من الإباضية إلى الهروب من جحيم الصنهاجيين إلى وارجلان " والتي كانت بعيدة عن نفوذ هذه الدولة رغم محاولات الاستيلاء عليها والتي باءت بالفشل ولذلك كانت " وارجلان " في عهد هذه الدولة ملاذا للإباضية الفارين من سيوف بني زيرى، وموطنا آمنا بعيدا عن الصراعات التي وقفت تجاهها " وارجلان " على الحياد.

ولما رأت الدولة الفاطمية في مصر ما آل إليه أمر الشيعة في المغرب

1) العزابة هي جماعة دينية تحكم البلاد في حال عدم وجود دولة تسير نظامها وهو ما انفرد به المغاربة ومدى ما وصل إليه بنو زيرى من نكران الجميل أغرت قبائل بنو هلال وسليم أن من فكر اجتماعي وسبقوا إياضية المشرق إليه، ولقد أثبتت العزابة فعالياتها في الجانب الاجتماعي يقصدوا نحو شمال أفريقيا لاجتثاث ملك الصنهاجيين. والعلمي أكثر منها في الجانب السياسي، وحول مزيد من التفصيل عن العزابة لنا وقفة متعمقة معها في الناحية الإجتماعية إن شاء الله الإباضية في موكب التاريخ ت/ علي يحيى معمر مج 3 ص 312

(1

نفس المصدر السابق ص 312

هو بلكين بن زيرى مؤسس الدولة الصنهاجية في المغرب الأوسط تولى الحكم سنة 362 بعد خروج الفاطميين من المغرب - تاريخ ابن خلدون مج 6 ص 155

(1

الهلالية في التاريخ والأدب الشعبي ت / الدكتور عبد الحميد يونس ص 73 ط. دار المعرفة القاهرة سنة

19680 م

(2) طبقات المشايخ بالمغرب لأبي العباس الدرجيني ص 407 ج 2 بتصرف

39

59

38