الشيخ العلامة أبو عمار عبد الكافي التناوتي (500-569هـ): عصره وحياته وفكره سالم بن هلال الخروصي

الشيخ أبو عمار عبد الكافي عصره وحياته وفكره

الجزء ١ · صفحة ٣٥

العامة والخاصة تعبر عن رأيها وعقيدتها في حرية تامة لا كبت ولا إرغام () (1). ولقد امتلأت تاهرت عاصمة الدولة الرستمية بالمذاهب المختلفة وفتحت أبوابها لهم وكانوا يجدون فيها حرية عرض مذاهبهم والدعوة إليها والاحتجاج لها بل تصل درجة الحرية أن يناظر أحد علماء المذاهب المخالفة إمام الدولة فيحير الإمام ولا يجد جوابا. فيستنجد بأحد علماء جبل نفوسه لإنقاذ الموقف دون أن يستخدم السيف لقمع العالم المناظر وإنهاء مناظرته ((

(2)

كما احتضنت الدولة الرستمية أهل الذمة اليهود والنصارى) ((وكان فيها العجم والعرب والسودانيون والأوربيون من صقلية وإيطاليا والأندلس والجزر الأخرى القريبة من المغرب وكانوا يتوافدون عليها للتجارة أو للعمل أو للإقامة)) (3).

كما عنى الرستميون بجانب ذلك بنشر التعليم في كافة أنحاء دولتهم وعلى مختلف مراحله الابتدائي والمتوسط والكبار وعلى مختلف الأنواع والأجناس الذكور والإناث ومختلف الطبقات حتى العبيد والإماء.

وكان الأئمة الرستميون بيت علم ودين كلهم من العلماء الفحول لأن الدولة الرستمية لا تقبل لإمامتها إلا العلماء العاملين ولذلك نجد أن للأئمة الرستميين تأليف، فعبد الرحمن بن رستم له تفسير ذكرته السير الإباضية إلا أننا لم نقف عليه ولربما أحرقه العبيديون مع جملة ما أحرقوه من مكتبة المعصومة في تاهرت وللإمام

) تاريخ المغرب الكبير ت/ محمد علي دبوز الجزء الثالث ص 328.

) وذلك حين استنجد الإمام عبد الوهاب ثاني الأئمة الرستميين بالشيخ مهدي النفوسي ـ وكان فارس المناظرة الذي أفحم علماء تاهرت لمناظرته أحد علماء المعتزلة عندما عجز العلماء في تاهرت عن مناظرته. انظر: تاريخ المغرب الكبير ج 3 ت/ محمد علي دبوز ص 330.

) تاريخ المغرب الكبير ت محمد علي دبوز ص 332 الجزء الثالث.

عبد الوهاب كتاب ((نوازل نفوسه ((وهي مجموعة الفتاوى الشرعية التي كان علماء نفوسه يستفتونه فيها، كما ترك الإمام أفلح بن عبد الوهاب مراسلات مهمة دلت على سعة علمه، وقصائد دلت على أدبه ومنها قصيدة في الحث على العلم عنوانها تحريض (الطالب)) يقول في مطلعها: العلم أبقى لأهل العلم آثارا يريك أشخاصهم روحا وإبكارا

وهي في أربع وأربعين بيتا (1)

12

في هذه الفترة الخصبة كانت وارجلان من عواصم العلم في المغرب ومن معادن الثروة والغنى والحضارة في المغرب الأوسط وبعد زوال الدولة الرستمية ورثت وارجلان هذه الحضارة. وأنشأت بفضل غناها وعلمها وحضارتها إمارة سدراته وانتقل إليها الإمام يعقوب بن أفلح هربا من العبيديين ومعه ما تبقى من کنوز مكتبة المعصومة)) (1) ولذلك سميت عاصمة الإباضية الثانية، وانتقل إليها طلاب العلم والعلماء، وبقيت كذلك حتى مجيء الدولة الموحدية. الدولة الموحدية:

أسسها المهدي بن تومرت (3) سنة 516 هـ وهي دولة دينية إصلاحية قامت في عهد الدولة المرابطية واستطاعت التغلب عليها وتدين هذه الدولة بالمذهب

المصدر السابق نفسه ص 379.

) أبو يعقوب الوارجلاني وفكره الأصولي ت/ مصطفى باجو ص 64 بتصرف. 3) هو محمد المهدي بن تومرت المغربي السوسي وابن تومرت ولد في الثلث الأخير من القرن الخامس الهجري واختلف المؤرخون في تحديد سنة ميلاده ولد ببلدة إيجلى في شمال الأطلس الصغير درس بالأندلس ورحل إلى المشرق فمكث خمسة عشر عاما انتقل بين الإسكندرية وبغداد ثم رجع إلى القاهرة أسس دولته سنة 516 هـ ومات سنة 524 هـ متأثرا بجروحه بعد معاركه مع مسكوره في آزليم. انظر الدولة الموحدية في عهد عبد المؤمن بن علي ت/ عبد الله علام ط دار المعارف القاهرة سنة 191 م ص 43 وما بعدها ..

65

64