الشيخ العلامة أبو عمار عبد الكافي التناوتي (500-569هـ): عصره وحياته وفكره سالم بن هلال الخروصي

الشيخ أبو عمار عبد الكافي عصره وحياته وفكره

الجزء ١ · صفحة ٣٨

المطلب الثاني: المدرسة الجدلية الإباضية وأثرها العلمي بوارجلان

لقد كان للمدرسة الجدلية عند الإباضية دور كبير في إثراء الحركة العلمية بوارجلان " - عاصمة الإباضية الثانية بعد تاهرت - حيث أسهمت هذه المدرسة في مناقشة القضايا العقدية والفقهية التي كانت محور خلاف بين المذاهب الإسلامية كما أسهمت هذه المدرسة في نشر الفكر الإباضي وصقل القدرات الجدلية عند الإباضية فظهرت مؤلفات لعلماء الإباضية في العقيدة كانت عمدة للأجيال من بعدهم كما ظهرت طبقة من المتكلمين أسهموا كذلك في إثراء الحركة العلمية بشمال أفريقيا عامة ووارجلان خاصة.

أما عن النشأة التاريخية للمدرسة الجدلية فإن جذورها تعود إلى القرن الأول الهجري إثر ظهور الفرق الإسلامية بعد الأحداث الدامية التي مرت بها الأمة

الإسلامية بعد مقتل عثمان بن عفان الله الله ثالث الخلفاء الراشدين سنة 35 هـ. فلقد أفرزت هذه الأحداث قضايا عقدية وسياسية كبرى كالإمامة أو الخلافة وأحقية آل البيت أو قريش أو المسلمين الأكفاء عامة بها، ومرتكب الكبيرة هل هو خالد مخلد في النار أم في منزلة بين المتزلتين أم ينطبق عليه مبدأ الإرجاء ((لا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة)).

ألقت هذه القضايا بظلالها على مجريات الأحداث في القرن الأول الهجري وسرعان ما تبنت كل فرقة من المسلمين رأيا في كل قضية أثر تأثيرا سياسيا وفكريا ظلت توابعه إلى يومنا هذا.

هذه القضايا كانت سببا مباشرا لظهور المدرسة الجدلية التي نمت بظهور قضايا عقدية أخرى في مباحث العقيدة المختلفة، وتذكر المصادر الإباضية نماذج من المدرسة الجدلية الإباضية في النصف الثاني من القرن الأول الهجري خلدتها

رسائل وردود مؤسس المذهب جابر بن زيد الأزدي وعبدالله بن إباض والتي قام بجمعها أبو غانم الخراساني (1) في مدونته

(2)

واشتمل عليها مسند الربيع بن حبيب) بروايات الإمام جابر بن زيد مما أعطى الانطباع الواضح عن الفكر العقدي الإباضي في القرن الأول الهجري ومن هذه النماذج ما ذكره الشماخي في سيره من أن جماعة الخوارج أرادوا جدال الإمام جابر بن زيد الله في مسألة استحلال أموال المسلمين وسبى ذراريهم فقال لهم: (أليس قد حرم الله دماء المسلمين بدين؟ فقالوا: نعم، فقال: وحرم ((

:

:

البراءة منهم بدين؟ فقالوا: نعم، فقال: وحَرَّمَ الله ولايتهم بدين بعد الأمر بها بدين؟ فقالوا: نعم، فقال: أليس قد أحل دماء أهل الحرب بدين بعد تحريمها بدين، فقالوا: بلى، فقال: هل أحل ما بعد هذا بدين؟! فسكتوا (((3).)) (3)

1) هو أبو غانم بشر بن غانم الخراساني درس بالبصرة وأخذ عن تلاميذ أبي عبيدة وعنهم دون كتبه وأهمها المدونة التي دون فيها أقوال تلاميذ أبي عبيدة وقد رحل في أواخر القرن الثاني الهجري إلى تاهرت مارا بجبل نفوسه ورويت عنه المدونة في تاهرت ونسخت في جبل نفوسه على يد عمروس بن فتح، ولولا نسخ عمروس لما بقى لها أثر: سيّر الوسياني الورقة الرابعة مخطوط بتصرف، والبعد الحضاري للعقيدة الإباضية ت. د/ فرحات الجعبيري ص 105 ط. مطبعة الألوان الحديثة سلطنة عمان

(

سنة 1989 م.

هو الربيع بن حبيب بن عمرو الأزدي الفراهيدي العماني ولد بودام من باطنة عمان والراجح أن ولادته سنة 7 هـ أدرك الإمام جابر وتتلمذ على يد أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة وشيوخ عدة من إباضية البصرة ثم تولى أمامة الإباضية هنالك بعد وفاة أبي عبيدة جمع أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم في مسنده رواية أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن جمع من الصحابة أبرزهم عبد الله بن عباس ومسنده يعتبر عمدة الإباضية في الحديث رتبه أبو يعقوب الوارجلاني في القرن السادس الهجري وشرحه أبو عبد الله محمد بن عمر المحشى في القرن الحادي عشر الهجري وسمى حاشيته الترتيب طبعته وزارة التراث بسلطنة عمان وشرحه الإمام نور الدين السالمي وطبع في ثلاثة أجزاء وغيرها في أربعة أجزاء بجهود خاصة. أو طباعة وزارة التراث وسمى شرح مسند الربيع بن حبيب. انظر: البعد الحضاري 104، 105 ت/ الجعبيري.

سير الشماخي ج 1 ص 2 وهو من جملة ما نقل من مدونة ابن غانم الخراساني.

71

70