الشيخ أبو عمار عبد الكافي عصره وحياته وفكره
الجزء ١ · صفحة ٣٩هذا النص يصور مرحلة من مراحل المدرسة الجدلية حيث اهتم الإمام جابر ابن زيد بتأصيل مبادئ مذهبه وإزالة شوائب الخوارج عنه بعدما خط الخوارج لأنفسهم منهجا مغايرا لجمهور المسلمين فأعملوا السيف في رقاب أهل القبلة مما جعل الإمام جابر يجادلهم في مبادئهم على نحو ما نقلت السير من نصوص، ولم يقتصر الإمام جابر على الخوارج بل امتد دوره للرد على استفسارات العامة والخاصة فدل ذلك على العقلية الواسعة لدى هذا الإمام ((فقد وقع في نفس الحجاج (1) شيء من القدر فشكا ذلك إلى كاتبه يزيد بن مسلم فبعث يزيد يسأل جابراً ـ وكان به معجبا وفيه واثقا ـ فأجابه: قل للأمير يكثر من ترديد خطبته فإن فيها الجواب عما يسأل، وردد الحجاج خطبته وأكثر فيها التفكير فانتبه إلى أن خطبته تشتمل على قوله - تعالى -: (مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَن يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) (2) وفي الآية الكريمة الجواب على حيرة الحجاج فقال ليزيد: ويحك يا يزيد ما أعلم صاحبك)) (3).
وبمجيء القرن الثاني الهجري أخذ الفكر الاعتزالي يتبلور بعدما أرسى دعائمه واصل بن عطاء (4) كما تبلورت في هذه الفترة أصولهم الخمسة ((التوحيد، العدل، الوعد والوعيد، المنزلة بين المنزلتين والأمر بالمعروف والنهي عن
ا) هو الحجاج بن يوسف الثقفي أمير العراق وخراسان في عهد عبد الملك بن مروان، خطيب بارع وسياسي صارم، ولد ونشأ في الطائف ومات بواسط - الأعلام للزركلي مج 168/ 2 ط. دار العلم للملايين بيروت سنة 1995 م.
(سورة الأعراف الآية: 178. سير الشماخي ص 71 ج 1.
-
هو واصل بن عطاء الغزال رأس المعتزلة ومن أئمة البلغاء والمتكلمين، سمى أصحابه المعتزلة لاعتزاله مجلس الحسن البصري ومنهم طائفة تنسب إليه تسمى الواصلية ولد بالمدينة ونشأ بالبصرة وكان يلتغ بالراء في خطابه له مؤلفات منها ((أصناف المرجئة، المنزلة بين المنزلتين، معاني القرآن)) انظر الأعلام للزركلي الجزء الثامن ص 108 - 109.
المنكر)) (1). وانتشر في هذه الفترة المذهب الاعتزالي انتشارا واسعا في المشرق والمغرب عبر دعاته كما انتشر المذهب الإباضي في شمال إفريقيا وتوسع على يد حملة العلم. وتذكر المصادر الإباضية لقاء تم بين واصل بن عطاء وأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة في البصرة، فلقد كان واصل يتمنى لقاء أبي عبيدة ولما اجتمعا قال واصل لأبي عبيدة: أنت الذي تقول إن الله يعذب على القدر؟ فقال أبو عبيدة: لا ولكني أقول: يعذب على المقدور ثم قال له: أأنت الذي تزعم أن الله باستكراه؟! فعجز واصل عن الجواب وسكت فقيل له بعد ذلك: سألته فتخلص
يعصى
وسألك فوقفت؟ فقال: بنيت له بنيانا منذ ثلاثين سنة فهدمه وهو واقف ((((وامتد هذا الصراع المحموم في العقيدة إلى الشمال الإفريقي ليصل ذروته في النصف الثاني من هذا القرن، وهي الفترة التي تأسست فيها أول دولة إباضية يكتب لها النجاح في تاهرت الرستمية، وبالمقابل تأسست الدولة الأغلبية بالقيروان حيث نهجت هاتان الدولتان منهجا واحدا في التسامح الديني ففتحت القيروان وتاهرت الأبواب على مصراعيها للمناظرات العقدية بين علماء المذاهب من الشيعة والمعتزلة والإباضية والخوارج، وبالرغم من أن الدولة الأغلبية سنية المذهب إلا أنها أخذت بالمذهب الاعتزالي في بعض النواحي العقدية)) واختار بنو الأغلب أكثر قضاتهم على مذهب أهل العراق ((وكان ذلك في عهد المأمون الخليفة العباسي الذي ذهب إلى القول بخلق
البعد الحضاري ت/ الجعبيري ص 110.
(1)
2) سلم العامة والمبتدئين إلى معرفة أئمة الدين. ت. الشيخ عبدالله الباروني حاشية (1) ص 6 ط. مطبعة فانزي (تونس).
) ورقة عمل د/ محمود أحمد بكير بعنوان الصراع العقائدي في الفلسفة الإسلامية وهي ضمن دراسات ملتقى الإمام المازري للفلسفة الإسلامية المنعقدة بتونس من 1412 نوفمبر سنة 1975 م ص 31،32 ط. وزارة الشؤون الثقافية بتونس سنة 1978 م.
135
73
72