الشيخ أبو عمار عبد الكافي عصره وحياته وفكره
الجزء ١ · صفحة ٦٤المطلب الثاني: الدولة الموحدية وفكر أبي عمار:
امالة
وبجانب الاستعداد الفطري لدى أبي عمار كان لأحداث عصره أثر كبير في بلورة اتجاهه الفكري والمتتبع لمؤلفاته يرى أن جل اهتمامه بعلم الكلام مع ولوجه لكل فن فهو متكلم وفقيه ومؤرخ شهير، إلا أن علم الكلام برع فيه بلا منازع ولعل السبب يعود إلى تأثره بالدولة الموحدية التي جاءت على أنقاض المرابطية وشتان بين الدولتين فالمرابطية تدم الكلام وتنبذ المتكلمين وتحارب المنهج التأويلي وتعتبره خروجاً عن منهاج السلف بل تعدت القول إلى الفعل فطاردت المتكلمين وأحرقت كتبهم، ولذلك ذمهم الإمام الغزالي بقوله: "ولست أقول: إن اسم الفقه لم يكن متناولا للفتاوى في الأحكام الظاهرة ولكن بطريق العموم والشمول .. وقد صار الآن مطلقا على من لا يحيط من علوم الشرع بشيء سوى رسوم جدلية في مسائل خلافية فيعد بذلك من فحول العلماء من جهله بالتفسير والأخبار وعلم المذهب وغيره (1)
بينما نجد الدولة الموحدية تنادي بإحياء السنة وإماتة البدع والغوص في فروع العلوم الإسلامية وأهمها علم الكلام فالدعوة الموحدية انبنت على أساس تقديم علم التوحيد على سائر العلوم لأن معرفة الخالق أول ما ينبغي على المسلم إدراكه ولذلك ألف ابن تومرت كتابه "أعز ما يطلب" وترجمه إلى اللغة البربرية ليسهل على اتباعه معرفة علم التوحيد والمبادئ الموحدية التي جعلها قواعد عمله في مرحلته القادمة كما اهتمت الدولة الموحدية باللغة العربية وتدريسها منذ قيامها ولذلك نجد أبا عمار يسافر إلى تونس ليتعلم اللغة العربية وآدابها استجابة لنداء الموحدين.
) إحياء علوم الدين للإمام الغزالي ج 1 ص 53 تحقيق الشحات الطحان، عبد الله المنشاوي ط. دار الحرم للتراث - القاهرة سنة 1996 م.
وتظهر تلك الملكة اللغوية في كتاباته فالمتمعن في كتابه (شرح الجهالات) يجده يعتمد على التحليل اللغوي للكلمة في غالب أبوابه وعلى سبيل المثال عند حديثة عن الرؤية يقول: "والنظر في لغة الناس يتصرف على وجوه أحدها هو النظر والثاني على معنى الانتظار، والثالث على معنى الرحمة، والرابع على معنى الاختبار، والخامس، على معنى القضاء لذلك يقال للقاضي: ناظر (1) كما يلجأ أحيانا إلى تصريفها فيقول: "والإله" هو اسم المعبود والإله والله واحد، إنما حذفوا الهمزة وأدغموا إحدى اللامين في الأخرى، فقالوا: الله" (2) ولقد جمع ابن تومرت - مؤسس الدولة الموحدية - في منهجه بين المذهب الأشعري في أكثر المسائل ومذهب المعتزلة في الصفات ومذهب الشيعة في القول بالعصمة والمهدوية (3). ولقد تأثر أبو عمار بهذا الفكر المزدوج في نهجه التأليفي فجمع في تأليفه بين فكره الإباضي وأسلوب غيره من المؤلفين ولذلك عقد عمار طالبي مقارنة بين الموجز لأبي عمار والتمهيد للباقلاني الأشعري (4) فيقول: "وإذا قارنا هذا الكتاب الموجز - بكتاب التمهيد لأبي بكر الباقلاني فإننا لا محالة نجد تشابها واضحا
—
) شرح الرد على الجهالات ت أبو عمار عبد الكافي تحقيق الطاهر بن عامر ص 94 وهي رسالة لنيل درجة الدكتوراه بالجامعة التونسية - كلية الزيتونية للشريعة وأصول الدين سنة 1985 م. نفس المصدر السابق ص 95.
سلاك
) تاريخ فلسفة الإسلام في القارة الأفريقية /ت/ يحيى هويدي ج 1 ص 229 بتصرف.) هو محمد بن الطيب الباقلاني من كبار متكلمي الأشاعرة ومن رؤساء المذهب المالكي ولد بالبصرة في الربع الثاني من القرن الرابع الهجري وتوفى في 23 ذي العقدة سنة 403 هـ ببغداد من تأليفه التمهيد في الرد على الملاحده والمعطلة والرافضة والخوارج والمعتزله خالف فيه الأشاعرة في الكثير من المسائل: انظر التمهيد تعليق محمود الخضيري - محمد عبد الهادي ص 1 وما بعدها ط. دار الفكر
العربي.
123
122