الشيخ العلامة أبو عمار عبد الكافي التناوتي (500-569هـ): عصره وحياته وفكره سالم بن هلال الخروصي

الشيخ أبو عمار عبد الكافي عصره وحياته وفكره

الجزء ١ · صفحة ٦٦

المطلب الثالث: آراؤه وفتاويه:

لقد كان أبو عمار مرجعا للإباضية في علم الكلام والمنطق والجدل بما امتاز به من نهج رفيع في الإقناع، ورصانة في الأسلوب وجزالة في المعنى وإيجاز في الحديث إلا أنه كان لا يميل إلى القول في الغالب ويركن إلى الفعل لاهتمامه بعلم الباطن عن علوم اللسان، وإنما يلجأ إلى القول " عندما يقتضي الموقف تقرير حجة لدحض شبهة أو اثبات سنة لمحاربة بدعة (1).

ولذلك فإن مجمل آرائه كانت في أحداث عصره أو رداً على سؤال سائل، وعصر أبي عمار كما عرفنا مملوء بالقلاقل والاضطرابات وكثرة الحروب ولذلك وصفه الوسياني بقوله: "هذا زمان السكوت وأكل القوت ولزوم البيوت حتى تموت (2).

لكن أبا عمار ليس من أولئك الذين يرضون بالسكوت أمام هذه البدع والفوضى، ولذلك نجده عندما تعرض عليه مشاكل الناس يسبر أغوار نفوسهم أولا فيساعده ذلك على حل المشاكل بعدل وحق فهو يقول في الفتن التي تحصل بين الدويلات في المغرب والمناوشات بين القبائل: " إن الأحب إلى أن يصطلحوا فإن لم يفعلوا فالأحب إلى ألا تغلب فئة فئة فإن من أحب أن تغلب إحداها الأخرى فقد دخل في الفتنة ولزمه ما لزم أهل تلك الفتنة وكأن سيفه يقطر دما (3)

وكان يقول أيضا: "السلامة عندي أن يكونوا من البراءة سواء لا يرجح قلبي

) الإباضية في موكب التاريخ مج 3 ص 217.) سير الوسياني ص 91 مخطوط.

) طبقات الدرجيني ج 2 ص 491، سير الشماخي ج 2 ص 0104 لا علينا وانها لعبة (

إلى إحدى الطائفتين فإنه متى رجح أثم (1). ويثور أبو عمار على مبدأ السلب والنهب الذي احترفته الأعراب بالمغرب

فيصدر فتواه بحرمة ما في أيدي الأعراب بالمغرب فلا يحل الشراء منهم للريبة المتحققة مما عندهم وأنها أموال حرام غصبوها بغير وجه حق، فلقد أورد الدرجيني في طبقاته سؤالا وَجْهَهُ أبو يعقوب الوارجلاني إلى أبي عمار حول ما في أيدي الأعراب بالمغرب والأعراب بمكة من حيث الحرمة لاتفاقهما في المنهج فأعراب المغرب يسلبون أهلها، وأعراب مكه يسلبون الحجيج.

—

فأجابه أبو عمار بقوله: "هذه جزيرتهم - أي مكة ـ الأقعد فيما بأيديهم والأغلب عليه الحلال وتلك جزيرة البربر إنهم فيها غارة وكل ما بأيدي الغارة ريبة إلا من أبصر شيئا عيانا فلا يحل له الدنو منه في بدو ولا حضر). فإنهم في بلادنا غارة ونحن البربر في جزيرتنا كالعرب في جزيرتهم (3)

(2)

كما كان أبو عمار مقصد الناس في الفتوى تأتيه الرسائل ممن يستفتيه في العقيدة وغيرها من العلوم ويورد الدرجيني الكثير من الرسائل وردوده عليها في طبقاته ومنها رسالة بعث بها عبد الرحمن الكرخي إلى شيوخ وارجلان يسألهم في اليقين والقدر وإعلام الساعة وغيرها فاتفقوا أن يكلوا أمر الإجابة إلى أبي عمار وكان من جملة ما سأل: "ما الحكم فيمن قال إن الله ليس بيكش (4)؟ فأجابه أبو عمار: إن كان بربريا أو ممن يعرف اللسان البربري فهو كمن قال

) الإباضية في موكب التاريخ مج 3 ص 221. 2) أي من أبصر بعينه نهب أعراب مكة الحجيج فلا يحل له الشراء ممن ينهب أما سوى ذلك فلا بأس.) طبقات الدرجيني ج 2 ص 490، سير الشماخي ج 2 ص 104.) يكش: يعني عظيم إلا أن الوسياني في سيره ذكرها بلفظ "أيش" (سير الوسياني ص 267 مخطوط

127

126