إبراهيم بن بابا بوعروة الشيخ بابا ثامر: حياته وآثاره حمو بن عمر فخار

إبراهيم بن بابا بوعروة حياته وآثاره

الجزء ١ · صفحة ٢٣

ملحق للعرض على بعض جوانب حياتي

مواقف مشهودة في تاريخ البعثة الميزابية بتونس:

عندما كنت تلميذا في البعثة الميزابية بتونس الخضراء، بعد التحاقي بدار المغفور له باعلي الحاج صالح بن باعلي بن الحاج محمد بنهج المدرسة السليمانية كنا إذا قدم إلينا أحد من أولياء التلاميذ أو ضيف نقيم له بعد العشاء حفلا نتلو فيه القصائد النبوية والأناشيد الحماسية والأحاديث النبوية، ونختمها بمناظرة بين السيف والقلم ليأخذوا صورة جدية عن مستوانا التعليمي مما يشجعهم على إرسال المزيد من أبنائهم لمزاولة التعليم ضمن بعثاتنا بتونس.

وفي ذلك الإطار عندنا حل بتونس علم من أعلام الجزائر يقع استدعاؤه من طرف رؤساء البعثة إلى إحدى دارهما، ولما كانت دار بعثة الشيخ باعلي الحاج صالح فسيحة ويتوسطها صحن هي ملاصقة لدار الشيخ أبي اليقظان رحمه الله وقع فيها استضافة الشيخ باديس بمناسبة زيارته لتونس ليطلع على أبناء وطنه في غربتهم مهاجرين إلى تونس لتلقي العلوم العصرية باللغتين العربية والفرنسية، حتى يرجعوا إلى أرض الوطن حاملين معهم مشعل العلم والمعرفة ليضيئوا الطريق أمام

إخوانهم في الوطن الجزائر العزيز، مثل ما فعل أسلافهم من قبل. وكان ذلك في صيف،1921 م وكنت ممن شارك في إعداد تلك

الحفلة، وكان عمري إذ ذاك ثلاثة عشر عاما.

وذلك بمحضر السادة باعلي الحاج صالح، الشيخ يوسف بن بكير، الشيخ الثميني محمد الشيخ أبي اليقظان، الشيخ أبي إسحاق، الشيخ الحاج محمد بابانو، الشيخ أحمد بن عيسى قزريط، الشقمة محمد،

وأخيه موسى وغيرهم.

وهنا نفسح المجال للشيخ باديس أن يصف لنا ما جرى في ذلك الحفل البهيج حسبما نشره في جريدة "النجاح" القسنطينية بتاريخ 19 سبتمبر 1921 م، إذ يقول تحت عنوان "نهضة جزائرية بالحاضرة التونسية": «حللت بتونس فاستدعتني جماعتهم يعني إخوانه الميزابيين- إلى الحضور عندهم في دارهم ليلا، فلما فرغنا من العشاء خرجت إلى صحن الدار شبيبتهم المتعلمة بالمدارس التونسية على الأسلوب الحديث الذي يجمع بين العلوم الدينية والدنيوية واللغة العربية والفرنسوية، مع حفظ القرآن الكريم، فاصطفوا بنظام، وشنفوا أسماع الحاضرين بالأناشيد الوطنية والمدرسية، وتحاوروا بالمناظرة السيفية القلمية، كل ذلك باللهجة الفصحى والألسن الذلقة والجأش الثابت، فرأينا منهم أهلة توشك أن تكون أقمارا وغروسا طيبة توشك أن تجنى ثمارا. وكنت أنا أزاء ذلك بين عاملين متناقضين؛ عامل سرور وأمل بمن أرى من بني ملتنا ووطننا من تلك الشبيبة المتنورة بأنوار العلوم، وعامل حزن وأسف من حالة أبنائنا الآخرين الذين منهم من أهملهم آباؤهم فقتلهم الجهل، والتهمتهم الشوارع وأهلكتهم المفاسد والمنكرات، ومنهم من تعلموا وأهملوا حتى المبادئ الدينية، وحرموا اللغة العربية لغة الجنس والدين، لغة الآباء والأجداد". وافتتح ذلك المقال بقوله:

"إن الشعور الوطني، إذا أفعم لا بد أن تظهر ثمراته في الأعمال حتى تبلغ الأمم غاية الكمال، فهو كالماء تحت الجبال لا بد أن ينبعث فتشقق له الحجارة وتتفجر منه الأنهار.

وها هم أولاء إخواننا الميزابيون سرى فيهم شعور صحيح، فولعوا بالتقدم فأخذوا يتمسكون بأسبابه بجد واجتهاد، وأخذوا في طريق

-43 -

-42 -