إبراهيم بن بابا بوعروة حياته وآثاره
الجزء ١ · صفحة ٢٥فناجين من القهوة بدون سكر، مما سبب انقباضا في معدتي وسوء
هضم، ومرض البواسير، وطول مكث عند قضاء الحاجة.
وكان أخي رحمه الله يعاتبني على ذلك ويحثني على التقليل من تناولها، وذات يوم دخل علي في المطبخ فوجد أمامي فنجانا من القهوة كعادتي فعيرني بقوله، وكان يسميني سيدي" جلول" حيث يقول: أين سيدي جلول؟ هو في المرحاض من أين خرج سيدي جلول؟ خرج من المرحاض؟ ماذا يصنع سيدي جلول؟ إنه يشرب القهوة.
فتميزت غيظا من ذلك الكلام الجارح، فضربت الفنجان بما فيه عرض الحائط فتكسر بما فيه، ولحقنى ليؤدبنى وفررت إلى المخزن المجاور للحانوت وقلت لمن فيه إذا عدت إلى شرب القهوة فلست برجل. وحصل ذلك في فيفري 1928 والثلوج تتساقط على الأرض، والبرد القارس يشل الحركة، ولم يبق بيننا وبين رمضان سوى بضعة
أيام، فأخبر أخي بما قلته فأجابهم قائلا: "يطول ليلها وتعلف " (1). وشهر رمضان على الأبواب فتوكلت على الله، وعزمت على مقاطعة شرب القهوة نهائيا، وكان من جملة جلسائنا المرحوم عمنا موسى بن إبراهيم فخار متزوج بعائشة بنت سعيد بوكرموش، وكانت أختها للأب زوجة أخي، عمر، وكانت كلما قرب شهر رمضان تهدي لنا مغلفة من مار الزهر مقطرة عائليا، فتمزج مع القهوة لتفوح منها رائحة طيبة، فتناولت تلك المغلفة ووضعتها في رفوف المطبخ، وقد كنت أقوم بطبخ الطعام للجميع قائما مقام دقدوق حمادي بعد سفره إلى مسقط رأسه. ومنذ ذلك الحين إلى يومنا هذا لم أذق ولو فنجانا واحدا من القهوة، اللهم إلا قطرات ممزوجة مع الحليب وكان ذلك درسا مفيدا
(1) - مثل عامي له معنى الاستسلام للأمر الواقع.
لي في ضبط النفس وقوة الإرادة. مصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله عبادا إذا أرادوا أراد» (1).
وجرى لي مثل ذلك عندما كنت كاتبا في محل تجارة السيد عوشت عمر بن بكير، في مدينة قسنطينة شارع رحبة الصوف، أوائل 1931 م، حينما استجلب آلة راقنة ووضعها في مكتبه، فتفقدتها وصرت أتعلم الضرب عليها وهو غائب، ولما حضر نهرني وأمرني بترك تلك الآلة التي أجهل استعمالها، والاشتغال بعملي، فقررت في نفسي أن أتعلم استعمالها، وطلبت من الأخ عمر بن الحاج موسى، الذي يعمل أن يدلني على موضع أتعلمها فيه، فدلني على يهودي يسمى بوشكيلة له مدرسة يعلم فيها أبناء وبنات جلدته، فتوجهت إليه وطلبت منه الانخراط في سلك تلامذته ليلا لتعليم الترقين
معي
وبعد امتحان بسيط في اللغة الفرنسية قبل مني المشاركة في التعليم الساعة الثامنة إلى التاسعة ليلا وكان محلنا التجاري يغلق أبوابه على
من السابعة ليلا.
???
وبعد تناول العشاء أذهب إلى تلك المدرسة، فقضيت فيها ثلاثة أشهر، وبرعت في استعمال الراقنة، وعندما انخرطت في سلك القضاء بالمحكمة الشرعية الإباضية بقسنطينة اقتنيت آلة كاتبة بالفرنسية، وصرت أكتب عليها كل ما يتعلق بذلك. وكانت أول محكمة في دائرتنا تملك ذلك، وتحسن سير أمور المحكمة تحسنا ملموسا ماديا وأدبيا، وكان من قبلي يلتجئ إلى الغير عند كتابة تقرير أو جواب بالفرنسية. وكان الشيخ الحاج أحمد بن موسى بابا عمي يلقبني في العموم شيخ العدالة، وكان ذلك يخجلني.
(1) - الحديث لم يورده أصحاب الكتب التسعة.
-47 -
-46 -