إبراهيم بن بابا بوعروة حياته وآثاره
الجزء ١ · صفحة ٧٢مدرسة الإصلاح في حواشة بالقصر وألقوا القبض على الأستاذ المرحوم صالح بن قاسم بابكر، وسألوه عن مكان وجود ناصر علي، حيث وجدوا مستودعه مغلوقا.
وبما أن الحاضرين من الأساتذة يعلمون بأنه في جنانه بالغابة فبادروا بإرسال سعيد بن موسى كربوش إليه ليخبره بما جرى بالتفتيش عليه، وبعد ذلك بادر بإخفاء سلاح، قارابيلا، فألقاها في بيت الخلاء، وعند خروجه منها وجد أمامه رجال الدرك فساقوه معهم، وذلك لأن الأول كان رئيس جمعية الإصلاح والثاني نائبه.
وبعد ذلك كنا نستجلي سير الحوادث، فأُخبرنا بأن أحد المعتقلين قد باح بجميع أسرارنا، وذلك بعد جولة من استنطاقه وتهديده، وأن جماعتنا مهددة بالقبض عليها، فكان الأمر كذلك حتى صار رجال الدرك يُلقون القبض علينا أفواجا أفواجا، حتى بلغ عددنا خمسة وستين
سجينا.
وفي
أثناء اعتقالنا أجرينا اتصالات سرية مع الأخوين بابكر صالح وناصر على فأخبرانا بأن القضية جد خطيرة، وحلها الوحيد يكمن فيما اقترحه ناصر على بتحمل مسؤوليتها وحده دون غيره، والتركيز على القول لا أحد غيره يعلم شيئا أصلا، كما أنه هو وحده فقط يقوم بالاتصال مع جبهة التحرير الوطني.
وعليه فكل من سئل منا عن شيء من ذلك يجيب أن يكون جوابنا "أنا لا أعلم شيئا، وإني أتبع أوامر ناصر علي ولي الثقة التامة
فيه".
فحاول رجال المباحث إلصاق التهمة برمضان إبراهيم حيث قالوا عنه: إنه طويل اللسان، فأصرّ ناصر علي على نظريته قائلا: إني أتحمل وحدي كامل المسؤولية دون غيري.
ولما وصل دورنا في الاستنطاق وبعد اللكم والصفع والركل والسير حبرا على الرُّكَب كان جوابنا متحدا، ولم يحصلوا منا على طائل، أطلقوا سراحنا وحجزوا الثلاثة الأولين، وقدموهم إلى المحاكمة أمام المحكمة العسكرية بالأغواط. والمرحوم ناصر علي لتغطية زلته من جهة، والمحافظة على سلامة إخوانه المقبوض عليهم وعدم توريطهم من جهة أخرى، تحمل كامل المسؤولية بشجاعة وإباء، وبعد نظر وصدق رسول الله إذ قال: كلكم ميسر لما خلق له» (1).
وهنا نتساءل: هل ذكر أحدهما في تقارير المجاهدين، وهل ذكر المرحوم الحاج إبراهيم بن الحاج بكير دادي وعمر، الذي دوّخ الاستعمار وجعل من بستانه في ناحية مرماد مصنعا للبارود. وعندما ألقي القبض عليه في المرة الأولى سئل عن صنع البارود فأجاب بكل بساطة: أصنعه للإعلان عن الإفطار والإمساك في شهر رمضان، كما أصنعه للفازعة لاستقبال الحكام وللحفلات والأعراس. وفي الحقيقة كان يمد به المجاهدين.
وعندما قُبض عليه مرة أخرى الهموه بتقديم السلاح والذخيرة إلى الجبهة وكان قد أقام في دار سكناه مصنعا يسبك الرصاص والرش للخرطوش والأسلحة فأجاب: قائلا: أصنعه لصيد الطيور.
فتعجبوا من تهكماته وأمعنوا في تعذيبه وتفننوا في استنطاقه، ولم يحصلوا منه على شيء، فألقوه في غيابات السجون، فكان جملة ما قضاه
(1) - الحديث أخرجه مسلم «عَنْ عَلِيٍّ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ جَالِسًا وَفِي يَدِهِ عُودٌ يَنكُتُ بِهِ فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ مَا مِنْكُمْ مِنْ نَفْسٍ إِلَّا وَقَدْ عُلِمَ مَنْزِلُهَا مِنْ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللهِ فَلِمَ نَعْمَلُ أَفَلَا تَتَّكِلُ قَالَ لَا اعْمَلُوا فَكُلِّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ»
کتاب القدر، حديث رقم 4787. (ترقيم العالمية)
-141 -
-140 -