إبراهيم بن بابا بوعروة الشيخ بابا ثامر: حياته وآثاره حمو بن عمر فخار

إبراهيم بن بابا بوعروة حياته وآثاره

الجزء ١ · صفحة ٩٦

جواسيسه وأعوانه من الخونة، يريد بذلك القضاء عليه، لأنه ليس من صالحه توحيد الصفوف، ويعلم علم اليقين بأن الاتحاد قوة ترجع بالوبال عليه.

وفي اليوم الرابع من شهر أكتوبر من تلك السنة انتشرت قوة العدو في مدينة غرداية من چوميين وحركيين (1) ومظليين داخل المدينة وخارجها مفتشة على أحمد طالبي وجيشه فلم يحصلوا على طائل. وأخبر برت بواسطة جواسيسها بأنه اعتصم بمدينة مليكة، وجعل من مسجده مكمنا فلحقه العدو فاندلعت في المدينة معركة حامية الوطيس

حول المنازل والسطوح والطرقات ومات من جنود العدو عدد لا يحصى، كما جرح الكثير منهم، وإثر ذلك استشهد البطل أحمد طالبي و بندقيته بيده حيث عمد العدو إلى نسف موقعه بقنبلة ألقيت عليه وعلى رفاقه من طائرة مروحية. وكان ذلك يوم الجمعة السادس أكتوبر

من سنة 1961.

وبعد هذا المشهد الرهيب تولّى قيادة الثورة في منطقتنا رشيد الصايم، وعلي الشريف تحت قيادة العقيد محمد شعباني، قائد الولاية السادسة، ودامت الأمور سائرة إلى يوم وقف إطلاق النار يوم التاسع عشر مارس سنة 1962، وذلك بعد مفاوضات إفيان.

فكان ذلك اليوم يوما مشهودا في الشارف حيث تقاطر نحوها جمع عظيم، قدم من جميع أنحاء الصحراء في قوافل متتابعة من سيارات وشاحنات وحافلات وكان من جملتها شاحنتان لشركة الحافلات المحلية أرسلها مديرها بابا بن إبراهيم بوعروة.

وفي ذلك اليوم الأغرّ ألقى فيه العقيد محمد شعباني خطابا رائعا

(1) - الجوميون، أو الجومية والحركيون أو الحركة: هم عملاء الاستعمار المسخرون لكشف أسرار الثورة والوطنيين لصالح أسيادهم المستعمرين.

تعرض فيه إلى أدوار الكفاح المسلح والسياسي منذ اندلاع الثورة إلى يوم توقيف إطلاق النار، وحرّض جميع الحاضرين على تحمل المسؤولية في البناء والتشييد لإقامة دولة جزائرية حرة مستقلة ماديا وأدبيا. فوقع عرض مماثل له في مدينة العطف بوادي ميزاب، حضره جمهور غفير من مدن ميزاب وغيرها من أنحاء الصحراء، فعمت الفرحة والبشرى، وكان يوما تاريخيا واستقبل فيه الأخ رشيد الصائم رئيس المنطقة الخامسة للولاية السادسة استقبال الفاتحين.

وبعد هذا النصر المبين رأى كثير من العقلاء أنه من الحكمة أن يرجعوا إلى أعمالهم حيث ينتظرهم الجهاد الأكبر جهاد البناء والتشييد بكل جهد ونشاط وتفانى في خدمة الوطن وازدهاره.

فرجع الأستاذ إلى مدرسته والمعلم إلى تعليم تلاميذه، والفلاح إلى حقله، والتاجر إلى متجره، والأجير إلى عمله، حيث كانوا قد قدموا جهادهم الله ولرسوله وللوطن، أما من كانت نيته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، فلكل امرئ ما نوى. وبذلك طويت مرحلة الجهاد الأصغر، وفتحت صفحة الجهاد الأكبر. وبما أن تاريخ هذه الثورة المشرفة المباركة ليس ملكا لنا فقط، فقد سجلناه حسبما علمناه وتحققنا به بكل إخلاص ونزاهة، سيبقى صفحة ناصعة وعبرة ما فيه لأجيالنا الذين لم يسعفهم الحظ على تلقي نارها أولاً، واستقبال نورها أخيرا، حتى تكون لهم نبراسا يضيء لهم طريق مستقبلهم، وليعلموا بأن هذا الاستقبال لم يأت لهم عفوا، بل تحقق لهم بعد تضحيات جسام من مئات الشهداء وملايين المسجونين، وبعد تقديم الآلاف من القرى وإنفاق مليارات من الدنانير، فتوحد بذلك الوطن بجميع أجزائه كاملة من تلها وصحرائها.

والحمد لله رب العالمين.

-189 -

-188 -