الصحف العربية الجزائرية من 1847 إلى 1954 محمد بن صالح ناصر

الصحف العربية الجزائرية

الجزء ١ · صفحة ١٣٠

66 - الفرقان - الجزائر (1938)

بعد شهر ونصف من صدور قرار مصادرة جريدة الأمة ومنعها من التداول في كامل التراب الجزائري، أصدر الشيخ أبو اليقظان جريدة الفرقان لتحل محل الجريدة السابقة، وكان ذلك في 5 يوليو 1938 تصدر بالعاصمة وتطبع بالمطبعة العربية التي يملكها أبو اليقظان نفسه، والواقع أن عنوان الجريدة وهو الفرقان" دل دلالة واضحة على الفكرة الأساسية التي طالما دافع أبو اليقظان عنها، ودعا إليها كل المسلمين بحرارة، تلك الفكرة التي تعد امتدادا لفكرة "الأفغاني" و"عبده"، ومحب الدين الخطيب ورجال الإصلاح في الجزائر وهو لا يصلح آخر هذه الدنيا إلا بما صلح به أولها، سر قوة المسلمين كامنة في دينهم، ودينهم معناه التمسك بالقرآن واتخاذه وسيلة عمل وسلوك. إن وراء هذه النظرة بعد سياسي عميق مستمد من واقع الجزائريين وما يعرفون به من تمسك قوي بدينهم - على أن المسلمين بعامة والجزائريين بخاصة ما كان في استطاعتهم التفوق على عدوهم الصليبي الحاقد بعدته وعتاده آنذاك إلا بقوة داخلية … قوة روحية لا توازيها القوة المادية مهما تفوقت، بل ولا تستطيع القضاء عليها مهما تحايلت في سبيل الوصول إليها أو القضاء عليها، وليس أدل على صواب هذه النظرة من حرب نوفمبر الخالدة. ومن ثم فإنه كان يرصع صدر هذه الجريدة بالآية الكريمة "يا أيها الذين آمنوا أن تتقوا الله يجعل لكم "فرقاناً وقد جاء في افتتاحية العدد الأول من الفرقان ما يلي:

بايته الكريمة أتوج هذه الجريدة القوية في إيمانها، الشريفة في غايتها .... في هذه الآية، لو عقلت البشرية دواء البشرية … ابسط أمامك خريطة الكرة الأرضية أمة أمة واستعرض مشاكلها مشكلة فمشكلة، وأنظر إلى أي قرار تتردى إليها الإنسانية وفي أي ظلام تتخبط فيه البشرية، فهل تجد لذلك من سبب غير فقدان ذلك الشرط الأساسي - تقوى الله.

يجهد المفكرون، وجبابرة العقول نفوسهم وهم مزودون بثروة طائلة من الكليات والجامعات ومن الخزائن العتيدة فرادى ومجتمعين لحل مشاكل الإنسانية الحاضرة ولكنهم، حيث فقدوا ذلك العقار الوحيد فهم لا يخرجون من

مشكل إلا إلى مشاكل، ولا ينتهون من معضلة إلا إلى معضلات، فمن تناحر الدول العظمى، وتطاحنها وتنافسها في التجهيزات الحربية، ومن فوضى واختلال التوازن بين الأمم، ومن تدهور في الأخلاق إلى أسفل من حضيض العجماوات ومن أزمات مالية خانقة مما ترك كل يوم يرحم أمسه ويلعن غده ولماذا هذا كله، لفقدان ذلك العقار … ويمضي أبو اليقظان في المقارنة بين ما كان عليه المسلمون الأوائل من قوة الإيمان كانت السر في تفوقهم وفتوحاتهم العظيمة، وما عليه خلفهم من ضعف ووهن، لأنهم فقدوا الأساس الذي هو سر نجاح أسلافهم والفارق بين أولئك وهؤلاء يدعو إلى الحيرة والعجب. كان أولئك قلة قليلة في الكم ولكنهم في الكيف، أما هؤلاء فهم كثرة كثيرة في الكم، غير أنهم غثاء كغثاء

قوة هائلة، السيل.

ولكن الفرق الكبير بين هؤلاء وأولئك هو العقار الوحيد (تقوى الله) فهم بها جعل الله لهم فرقانا خرجوا به من الظلمات إلى النور ونحن بمحاربة الله قيض لنا شيطانا أخرجنا من النور إلى الظلمات. وجريدة الفرقان لم تختلف لا في شكلها، ولا في محتوياتها عن جرائد أبي اليقظان السابقة … فهي تحتوي عادة على المقال الافتتاحي الذي يعالج أهم ما يشد انتباه القراء من الأحداث الجارية اجتماعية كانت أو سياسية، وبجانبه على الصفحة الأولى ركن عن السياسة العالمية في أسبوع - أما الصفحة الثانية فهي مخصصة لأنباء العالم الإسلامي السياسي، ثم الحيز الباقي للمقالات الواردة من القراء، أو لبعض التحقيقات الصحفية عن نشاطات الحركة الاصلاحية في ميزاب أو جمعية العلماء، وقد يكون الاقتباس عن بعض كبريات المجلات "الرسالة" وغيرها، أما الصفحة الرابعة فهي للإعلانات دائما. والشيء الذي يلفت النظر" هو أن "الفرقان" كانت شديدة الاهتمام بنشر

المقالات التي تلاحق خصوم الحركة الإصلاحية في ميزاب. ويبدو أن أبا اليقظان كان يفعل ذلك عن قصد وكأنه يريد أن يوجه عناية أكبر لفضح المؤامرات التي تقوم بها هذه الطائفة التي طالما حاربت صحف أبي اليقظان، وقد وجدت العون والتأييد من السلطات الحاكمة في سياسة مفادها محاربة الفكر الإصلاحي في كل أنحاء القطر الجزائري.

253

252