الصحف العربية الجزائرية من 1847 إلى 1954 محمد بن صالح ناصر

الصحف العربية الجزائرية

الجزء ١ · صفحة ٤٠

وهكذا راحت الجرائد تسير ضمن خطة مرسومة بدقة وإحكام، مستوحاة من واقع الأمة الجزائرية في بداية نهضتها، فوجهت اهتماماتها الكلية إلى توجيه الجزائريين وتوعيتهم في جميع الميادين الحيوية اجتماعا واقتصادا وسياسة وثقافة، وأشد ما كانت عنايتها ملحة وأكيدة هو بناء الشخصية الوطنية والتشبث بمقوماتها، سواء أكان ذلك في محيط القطر كجزائريين أو في دائرة الوطن العربي الاسلامي كعرب مسلمين. وهذه خطة عرفت عند رجالات الإصلاح الجزائريين عامة، وبدأ التأكيد عليها أكثر غداة كانت السلطات الاستعمارية تتهيأ لغزو فكري ونفسي شامل بمناسبة العيد المائوي للاحتلال.

ضمن

ومن ثم يمكن القول بأن المحاور التي كانت تدور حولها مواضيع الجريدة كانت تهدف كلها إلى الشعور بالذات، وتكوين الأمة تكوينا صحيحا من حيث الأخلاق الفاضلة، والتفكير الصحيح، وبث روح الوئام على خطة الاسلام. الكتاب والسنة، ولعله من المفيد أن نفصل الحديث قليلا عن هذه المحاور التي اشتملت على الميادين الحيوية الآتية: الميدان السياسي: على الرغم من أن أبا اليقظان لم يختلف في نظرته السياسية عن نظرة الحركة الإصلاحية إليها حين صرح بأن له عذرا وجيها في عدم الدخول في معمعة السياسة الداخلية دخولا مطردا لأنه يرى بأن اقتحام غمرات السياسة بأمة عزلاء من سلاح العلم والوئام، وقبل تدجيجها بهذا السلاح العتيد، إنما هو استعجال للأمر قبل ابانه لا يعود على الأمة - كما دلت التجارب - إلا بالخيبة والخسران، لأن معالجة المشاكل السياسية والحالة هذه لا تخلو من أحد

أمرين:

إما مجاراة السياسة الراهنة، وهي سياسة في عكس المصلحة الأهلية على خط مستقيم، وهذا لا يخدمها ولا ينضوي تحت علمها إلا أحد رجال، إما متملق، متزلف، وإما خائن للأمة، وإما مغفل بليد يصفع خده بكفه، ونحن نربا بأنفسنا أن نكون أحد الثلاثة!

1. الافتتاحية، وادي ميزاب ص 103 5 - 10 - 1928).

تلك

وعلى الرغم من تظاهر أبي اليقظان بأنه سيبتعد عن الخوض في: المواضيع الحساسة، فإنه في واقع الأمر قد غاص بجريدته في السياسة إلى قمة الرأس، تناول بالبحث مشاكل وطنية خطيرة. وكانت له مع الحكام المستعمرين مواقف بطولية قلما وقفها غيره في تلك الأثناء. آية ذلك تلك الفصول الوطنية القيمة التي زعزعت الاستعمار، وأقلقت راحته ورأى فيها تمردا وتطاولا فضويق أبو اليقظان من أجلها وحوسب حسابا

عسيرا.

ومن أهم ما احتوت عليه جريدة "وادي ميزاب في هذا الصدد، ذلك المقال الذي نشره في العدد السابع عشر حيث دعا الجزائريين صراحة إلى الاعتماد على النفس وعدم الاعتماد على "الأم الحنون" لأن مواعيدها كاذبة، وأن التجارب التي مرت بها الأمم قبلنا في الشرق والغرب ولاسيما تلك التي كانت لها علاقات مع الفرنسيين، تؤكد هذه النظرية. ومن ثم فقد قاومت كل السياسات التي تهدف إلى القضاء على الشخصية الوطنية بل تحاول المساس منها. فهاجمت التجنيس والاندماج، وحكمت على المتجنس بالردة والكفر، وبينت بصراحة بأن الذي يقبل بهذة السياسة إنما هو خائن لدينه ووطنه. وانطلاقا من هذا المبدأ نددت بالمتفرنسين الذين أنجروا مغرورين بالحضارة الأوروبية واختاروها كبديل لحضارتهم وأصالتهم، وهو نوع من التجرد الوطني وأوضحت علانية، وبرأي صريح معارضتها لنيابة الأهالي في المجالس الفرنسية منكرة هذه المشاركة التي لا طائل تحتها، ولا جدوى منها ولا من أصحابها المشاركين فيها، بل أنها على عكس من ذلك خطر كبير على الوحدة الوطنية، لأنها تخلق البلبلة في الأفكار والوهن في الصفوف، وكانت إلى جانب ما تكتبه من مقالات تقف بالمرصاد بعين يقظة للمقالات التي يكتبها المعمرون المتعصبون، وهؤلاء - معروفون بتشويه الحقائق، والإساءة إلى الشخصية الأهلية، ومحاولة إذكاء نار الفتنة والشقاق بين المتساكنين مستغلين الإحن المذهبية أو الطائفية أو الجهوية. فكانت ترد على هذه المقالات بعزم وحزم، وقد تلجأ إلى تعريب مقالات كاملة مما تنشره الصحافة الفرنسية في هذا المجال، حتى يطلع عليها القراء الذين لا يحسن أغلبهم اللغة الفرنسية.

75

74