الصحف العربية الجزائرية من 1847 إلى 1954 محمد بن صالح ناصر

الصحف العربية الجزائرية

الجزء ١ · صفحة ٤١

وفي الميدان الاجتماعي: قاومت العصبيات الضيقة، عرقية كانت أو مذهبية، وبينت في كل مناسبة بأن مصيبتنا الكبرى هي التفرقة والدعاوي الجاهلية، وأن سعادتنا ومستقبلنا السعيد لا يمكن أن تتحقق بدون الاتحاد في الكلمة والتعايش في توافق تام.

عالجت هذه القضية الهامة في عدة مقالات ونظرت إليها على جميع المستويات … على مستوى القطر الجزائري، وعلى مستوى الوطن العربي والإسلامي وحاربت الآفات الاجتماعية من فسق خمر، وقمار، وتسكع وتهتك، وقاومت الأخلاق المنحرفة ولاسيما ذات الطابع الانفرادي والذاتي مثل الأنانية، وتفضيل المصلحة الشخصية على المصلحة العامة والإعجاب بالنفس، وطغيان التفكير المادي واللامبالاة. وفي الميدان الديني: عالجت بعض القضايا الفقهية المتعلقة بذبائح أوروبا، وحلية طعام أهل أوربا أو عدمه، ورؤية الهلال في المواسم الدينية. لكن الأهم من هذه المقالات التي هي بالأبحاث أقرب، هي تلك المقالات التي كانت تدعو فيها إلى تحرير الأفكار من أوهام عصر الانحطاط، فأعلنت حربا جهيرة مستمرة ضد التزمت والتعصب، ودعت إلى الأخذ بأسباب الحياة المتطورة، ونبذ التقليد والتقوقع، وعدم الاكتفاء أو الاقتصار بما في كتب السلف دون غربلة أو اختيار. والواقع أن جريدة "وادي ميزاب كانت تمثل في هذا الميدان، لسان حال الحركة الإصلاحية بميزاب مما جعلها تتزعم الصفوف، ويكون بينها وبين المحافظين معركة قلمية حامية، قد تنزلق في بعض الأحيان لتصبح مهارات كلامية لا طائل تحتها.

والجدير بالذكر في هذا الميدان هو مواقفها الحازمة ضد المبشرين - المسيحيين، فلطالما لاحقت أوكار التبشير بمقالات نارية وفضحت أعمال الأباء البيض في الجزائر ولاسيما في المناطق النائية التي يتواجدون عادة بها، وكشفت عن العلاقة التي بين هؤلاء وبين الاستعمار الفرنسي وهو ما عرضها للمضايقات وكلفها آخر الأمر حياتها.

وفي الميدان العربي والاسلامي:

اهتمت بشؤون الوطن العربي والاسلامي، وأخباره، وأعلنت تضامنها مع قضايا وترحيبها بالنهضة المشرقية خاصة. فرحبت بالحركة الوهابية منذ أعدادها الأولى وكتبت عنها مقالات مفصلة مما جعل السلطة تتهمها بهذه النزعة. واهتمت بالوضعية السياسية في المشرق العربي ولاسيما في مصر و الحجاز، وعمان، ولم تنس فلسطين التي أولتها أهمية كبرى. و وسعت من دائرة بحثها في هذا المجال، فكتبت المقالات الضافية عن وضعية المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وبينت من هم أعداء المسلمين و كشفت عن المخططات الغربية التي كانت تهدف إلى القضاء على هذه القوة الروحية بين المسلمين واقترحت الحلول التي رأتها ممكنة هذا المجال في و حسنت علائق الود والصداقة مع المغاربة والمشارقة، ففتحت صدرا واسعا لإنتاجهم الفكري والأدبي نقلا عن بعض الدوريات العربية الكبرى من مثل: أم القرى (الحجاز) المنار الفتح الزهرة، الأهرام، الهلال المقتطف، المنهاج، الشورى (مصر)، الاخاء، العرفان، النهضة (تونس). وكانت لأبي اليقظان علاقة حميمة وطيدة بالصحفيين والكتاب التونسيين، و من أهم الكتاب الذين شاركوا في تحرير "وادي ميزاب" نجد المؤرخ الكبير لمان الكعاك، والحبيب الخلصي الذي نجد له مقالات كثيرة، والشاعر محمود

بورقيبة

ومن المغرب نجد: محمد أبو بكر السلاوي: وكانت لها مكانة مرموقة في المشرق العربي أيضا وفي مصر خاصة اتصل إلى رجال الفكر فيعجبون بخطتها وبمحتوياتها، ومن بين هؤلاء نذكر الشيخ رشيد رضا (صاحب المنار) ومحمد علي الطاهر (صاحب الشورى) وكان هذا الأخير يراسل الجريدة بكل ما يجد عن القضية الفلسطينية خاصة، ومحب الدين الخطيب (صاحب الفتح والزهراء الذي كانت تربطه بأبي اليقظان علائق من الود العميق والإخاء الإسلامي الفياض.

أما شكيب أرسلان، وسليمان الباروني باشا، فكانت لهما عند أبي اليقظان مكانة خاصة وبالتالي كثيرا ما ظهرت آثارهما على صفحات "الوادي" ولاسيما الباروني باشا الذي كان كتوبا شبه مداوم.

77

76