الصحف العربية الجزائرية من 1847 إلى 1954 محمد بن صالح ناصر

الصحف العربية الجزائرية

الجزء ١ · صفحة ٤٣

وقد ظهر اهتمامها بالأدب، وبالشعر خاصة، فأحلت الأدباء المشارقة

محلا مرموقا، ونظرت إلى انتاجهم الفكري بنظرة فيها غير قليل من الإعجاب والتقدير.

فقد خصصت قرابة ثلاثين عددا لحفلات تتويج شوقي بالإمارة الشعرية وأوردت جل ما ألقي في تلك الحفلات التي شارك فيها الوطن العربي، من بحوث وشعر وكان لها اهتمام خاص بالكتاب والشعراء الإسلاميين أمثال مصطفى صادق الرافعي وأحمد محرم.

:

ولم تنس في الميدان الثقافي أن تفيد قراءها ببعض المقالات ذات الطابع العلمي، ولاسيما في الموضوعات الفزيائية، والفلاحية، والمخترعات وفي الميدان الاقتصادي فتحت عيون الأهالي على النظريات الاقتصادية. العالمية، وتطورات نظمها، ودعتهم إلى تحسين أساليبهم التجارية وتطويرها وقارنت بين ما تتمتع به تجارة اليهود من نظام، وتجهيز، ودقة في التسيير وما تفقده التجارة الأهلية من كل ذلك.

وكانت لها الجرأة في أن تدعو الأهالي إلى تأسيس بنك وطني أهلي لكسر احتكارات المعمرين واليهود ولمد الحركة الاقتصادية الوطنية بالغذاء الضروري حتى ترفع رؤوس الأهالي التي أذلتها غطرسة اليهود والمعمرين. كما حرضت الفلاحين على التمسك بأراضيهم وتحسين وسائل الفلاحة منافسة للمعمرين ومحافظة على ممتلكاتهم.

ودافعت عن حقوق العمال ونددت بما يلحقهم من حيف واضطهاد من طرف مستخدميهم من المعمرين في الجزائر وما يحيق بهم من ظلم وهضم حق في المهجر.

منهج الجريدة: إن أبا اليقظان نهج بجريدته منهج الصراحة والقصد في معالجة المواضيع، ولأن اتجاه الجريدة كان اصلاحيا وطنيا لا ينافق ولا يداري، أعلن عن منهجها في إحدى افتتاحياتها:

إن منهج الجريدة هو الصراحة والنزاهة والصدق والاصداع بالحق وخدمة الصالح العام لا تعرف إلى التدجيل والمواربة والتملق، والكذب والنفاق سبيلا، فهي تجتهد قدر المستطاع في إحقاق الحق، وإبطال الباطل بكل إقدام وشهامة.

هكذا حملت الجريدة في خطتها بذور القضاء على نفسها، ومن هنا كثر مناوؤها وكانوا في بداية الأمر من أعداء الحركة الإصلاحية في ميزاب وبعض الأنانيين من الأغنياء الذين قاومت الجريدة بعض المواقف التي اتخذوها وكبر عليهم أن تفضحهم للناس، وهؤلاء وأولئك هم الذين يسميهم أبو اليقظان الوشاة الذين كانوا يحملون الحطب إلى المراجع العليا لإحراق الجريدة الشفيا لما في أنفسهم من غيظ وحنق) وتدرعوا إلى غاياتهم الدنيئة بكل ما اديهم من وسائل، ممقوتة وأكاذيب، وأراجيف، وقلب الحقائق وتشويه معالم الحق … كتبوا العرائض العريضة وذيلوها بمئات الإمضاءات حتى أنهاها بعضهم إلى (400) إمضاء .. ولما درسوا المسألة من نواحيها وتحققوا أن منال الوادي" بعيد عن متناول أيديهم، حولوا وجوههم عن هذه الناحية واستأنفوا هجومهم من ناحية أخرى). استثاروا حفائظ المبشرين والترجمان الذين كانت لنا معهم مواقف واستثمروا ضغائنهم وأحقادهم ضد "الوادي" فدفعوا هؤلاء إلى الميدان واختفوا وراءهم ولما لعبت في رؤوس هؤلاء حميا الحمية المسيحية، والنشوة العسكرية فتقدموا تحت ستارهم تحت الظلام لتسميم جو الولاية العامة وايغار صدور الذوات على "الوادي" فلما أتموا دورهم هذا قام أولئك الذوات بدورهم فشكلوا لهذا الغرض لجنة تركبت من بضع عشرة ذاتا من الرجال العسكريين والسياسيين ومديري المصالح فبيتوا فيها "للوادي" ما بيتوا، وكانت نتيجة ذلك صدور قرار من الوزارة الداخلية مؤرخ في 18 جانفي 1929 يأمر بتعطيل "وادي ميزاب وتحجير بيعها وطبعها وتوزيعها وذلك لشدة لهجتها، كما أمر بتعطيل كل ما سيصدر مما يشبهها في شدة اللهجة سواء باسم أبي اليقظان أو غيره سواء أطبع في تونس أو في غيرها. وإذا كانت تلك أسباب عامة في تعطيل الجريدة، فإن السبب الوحيد الذي نقدر أنه هو الدافع الحقيقي والأقوى لصدور قرار المنع، هو تلك المقالات الحارة التي مست النفوذ الفرنسي، ورأت فيها السلطة الحاكمة تطاولا وتجرأ عليها لا يحق لأهلي وضيع أن يقوم بهما، وأن ما يجوز أن تقوله الجرائد ذات النزعة اليسارية الفرنسية من نقد وكشف للمستعمر، لا يجوز مثله للصحف العربية.

81

80