الصحف العربية الجزائرية من 1847 إلى 1954 محمد بن صالح ناصر

الصحف العربية الجزائرية

الجزء ١ · صفحة ٤٥

هو: عجبا أليس المتجنس بالجنسية الفرنسية مسلما مثلكم؟ أنا: ليس كذلك، فهل تمنحون المسلم حق الجنسية الفرنسية، ثم تخولونه حق التمتع بما يتمتع به المسلم من الحقوق الشخصية كالميراث، وتعدد الزوجات والطلاق؟

هو: عجبا، نحن نحاول جمع الشمل والأخوة والمساواة، وأنتم تفرقون بين العناصر المتساكنة.

أنا: بل نحن أولى منكم في الدعوة إلى الأخوة والمساواة، ولكن على شرط أن يبقى كل في دينه. هو: لقد تعرضت لجماعة المبشرين، وتحاملت عليهم بالشتائم، ولم تذكر لهم شيئا من حسناتهم قط.

أنا: كلا، بل أني قبل أن أخوض في ذكر فضائحهم، سردت جانبا من حسناتهم من موا واساة الفقراء، ومداواة المرضى ولكن قلت أن حسناتهم هذه في جانب مساويهم، لا شيء، إذ لا عبرة بهذه في جانب إفساد الدين والأخلاق التي هي أعز ما تملكه الأمة الإسلامية في هذه الحياة، والدولة نفسها قد التزمت على نفسها باحترام ذلك، وتدخل أولئك فيه على مرأى ومسمع من الحكومة يعد في نظرنا خرقا لما التزمت هي لنا به. هو: لا تظنوا أنهم يعملون باسم الحكومة، كلا بل إنهم يعملون من تلقاء أنفسهم في القارة الافريقية، ولا أحد يعارضهم ..

أنا: ذلك شيء هو من خصائص الحكومة، وهي بالخيار فيما تسلكه أمامهم أما نحن في بلادنا، فإننا نملك حق الذود عن ديننا وآدابنا طبقا للالتزامات والعهود.

ثم سرد فصولا أخرى لم يترك لي فرصة الجواب عنها مثل فصل السكة الحديدية وفصل الدفاع عن الموظفين الأهالي الممقوتين من رؤسائهم وفصل إدخال المعلمين الفرنسيين في أثناء دروسهم شبه الزيغ والإلحاد لتلامذتهم ومثل فصل انتقاد إدارة غرداية لإطلاقها الجناة بعد ملئ بطونهم خبزا … ثم قال:

لأجل هذه الأغلاط فقد عطل لك السيد وزير الداخلية جريدتك، ولكن عوض

1. أنظر الأعداد 80، 83 و 87 من وادي ميزاب

أن تبادر فتعتذر لدى السيد الوالي العام ليسرحها لك، بادرت إلى كتابة العرائض والبرقيات.

تعطيل الجريدة وردود الفعل

كان لتعطيل جريدة "وادي ميزاب صدى واسع، اهتزت له الأوساط الشعبية والصحفية وكتبت عن هذا الحدث الصحف الحرة في الجزائر وتونس، والقاهرة، بل وكتبت عنها أيضا الصحف الفرنسية الحرة في الجزائر مستنكرة كلها في لهجة مريرة هذا الإصرار التعسفي وما إن صدر قرار التعطيل حتى تهاطلت على وزارة الداخلية بباريس مئات برقيات الاحتجاج عبر فيها الشعب الجزائري عن سخطه وأساه.

ويبدو أن سيل البرقيات هز الدوائر المسؤولة في الجزائر مما اضطر معه الوالي العام (بورد) ليسافر إلى غرداية لتهدئة الخواطر الشعبية المهتاجة وقد صدرت بالصحافة العربية الفرنسية الحرة مقالات استنكار نختار منها الفقرات التالية:

فمن مقال طويل نشرته جريدة "الصحافة الحرة نورد هذه الفقرات: إن الإجراء الذي اتخذه السيد (بورد) ضد جريدة "وادي ميزاب" هو حقا ضربة عنيفة، وإن الظروف المحيطة بهذا التعطيل تسمح لنا بأن نسيء الظنون لنوايا الموظفين". … يقول الموظفون الذين تقلقهم جريدة "وادي ميزاب" أنها جريدة قطاع الطرق أعداء فرنسا، إنها جريدة تعارض سيطرتنا 1. وكان لهذا التعطيل زفرة أسف في المشرق ولاسيما من طرف أولئك المفكرين ورجال الإصلاح الذين كانوا يعرفون أبي اليقظان ومكانة جريدته، ومن هؤلاء محب الدين الخطيب (الفتح) ومحمد علي الطاهر صاحب (الشورى) ورشيد رضا صاحب (المنار).

وقد قال أحمد زكي باشا الشهير بشيخ العروبة ما يلي:

إن صاحب الجريدة من أبرع الكتاب وأشجعهم ولم أر جريدة كهذه وما كنت أظن أنها توجد بشمال افريقيا تحت نير الفرنسيين، إني لأعدها من أكبر الجرائد التي عبرت عن رأيي وصورت مثل آلامي

1. انظر صحف أبي اليقظان ص 55 - 89. 2. م. س، ص 88.

20

85

84