الصحف العربية الجزائرية من 1847 إلى 1954 محمد بن صالح ناصر

الصحف العربية الجزائرية

الجزء ١ · صفحة ٥٦

هيا نجب داعي القومية والوطن، لعلنا نمحي ما جنيناه من العار، نحيي ما أمتناه من مجد وفخار ".

أما البعض الآخر فراحوا يدعون صراحة إلى صرف النظر عن أوروبا والغرب ومقاومة كل الأفكار المنحلة التي تدعو إلى الأخذ بالفرنسة والاندماج والتجنيس.

بل أن الدعوة الآن أصبحت تركيزا على الاعتداد بالمقومات العقلية والنفسية للفرد العربي عامة والجزائري بصفة خاصة.

ومن الأمثلة الواضحة ذلك المقال الذي كتبه أبو اليقظان دالا بعنوانه على دعوته الحارة تلك حين أوضح كيف يحترم الأقوياء من يحترم نفسه وكانت المناسبة التي دفعته إلى الوقوف عند هذه المعاني، هو إعجابه بموقف التونسيين الصارم ضد عزم السلطة المستعمرة التي عولت على إقامة العيد الخمسيني لاحتلالها تونس على غرار احتفالها بالعيد المائوي لاحتلال الجزائر، غير أن الأحزاب والصحافة التونسية قاومت هذه الفكرة ورفضتها وبينت ما فيها من جرح لكرامة التونسيين وما لبث الرأي العام التونسي أن استجاب لهذا الموقف الصارم مؤيدا من طرف بعض الأحرار الفرنسيين، فما كان من السلطة أمام هذا الرفض الشعبي إلا تحويل المبالغ المالية المرصودة للاحتفالات إلى مشاريع خيرية في سبيل مصلحة الأهالي التونسيين وهنا تساءل أبو اليقظان عن الأسباب التي جعلت العيد الخمسيني في تونس ينقلب الصالح الأهالي، ويكون العيد الماثوي في الجزائر جرحا بليغا في قلوب الجزائريين ووصمة عار في جبينهم ويرى بأن الجواب على ذلك بسيط جدا وهو يكمن في أن القوي مهما تشامخ بأنفه وتعاظم فلا يكون ذلك منه إلا أمام من يستصغر نفسه، ويستهين بها، ويحتقر شأنها، أما من يحترم نفسه ويرى أنه له كيانا

1 المغرب ع 235 - 6 - 1930 جاء في كتاب الحركة الوطنية لسعد الله ص: 351 ما يلي: إن مهازل الفرنسيين سنة 1930 قد جعلت بعض الجزائريين يكشفون الأخطار التي كانت تحدق بشعبهم، وبناء على قول أحد الفرنسيين فإن بعض الجزائريين كانوا اثناء الاحتفال يصفون الأحوال السيئة لبلادهم ويتأسفون على شعبهم الميت الذي تحدثت بتعاسته الركبان. أما الجريدة الوطنية المغرب (23/ 6/1930) فقد وجهت لومها إلى نخبة الشعب الذين لم يحركوا ساكنا ثم وجهت نداء إلى مفكري الشعب الجزائري لكي يظهروا للعالم أنهم قادرون على تكوين كتلة من المناضلين للدفاع عن وجود الأمة. أم. نقلا عن (ديبارميه) المقاومة في 1. ف ماي 1933، ص 265 " أم لا شك وأن ديبارميه كان يشير إلى هذا المقال بالذات (م. ن). 2 المغرب ع: 34 (26 - 2 - 1931).

وأن له حق الوجود، ويشعر بأن له كرامة يجب أن تصان، ومجدا يجب أن بحفظ وحقا يجب أن يرعى فإن القوي يرى أن مندوحة من احترامه والقديره، وإحلاله منه محل إجلال واعتبار ولو تظاهر له بخلاف هذا. ونشير في هذا المجال أيضا إلى مقال نشره (أفلح) تحت عنوان: "عبرة وذكرى في الأزمة الوزارية الفرنسية الأخيرة 2 انتقد فيه بشدة أولئك الجزائريين الذين يسبحون بحمد أوروبا ويقدسونها تقديسا كاد يصل درجة العبادة " حتى صارت عندهم شارة الدين والأدب، والعقل، والتمدن وكل شيء

وهم إذ أحلوا أوروبا في هذه المكانة الرفيعة، وأولوها هذه الثقة المطلقة فإنهم على العكس من ذلك في نظرتهم للعرب خاصة وللمسلمين عامة " فيكفي الحكم عندهم بفساد المبدأ، أو خسة الغاية، وخطل الرأي، وضعف الحكم، وجور القانون، أن ينسب إلى الاسلام أو إلى مسلم أو عربي. وهكذا هانت أنفسهم عندهم حتى أصبحت هذه الفكرة التي لم يروجها إلا المستعمرون عقيدة راسخة ومرضا ناهشا وأصبحت ظاهرة تتردد على الألسنة في أمثال هذه الكلمات ترافاي آراب .. وبيكو" وغيرها. وقد بين أفلح بالحوادث والوقائع المستمدة من التاريخ الطويل، والواقع المعيش بأن الحقيقة على عكس مما يظن أولئك حين ضرب المثل بانتصارات العرب والمسلمين وبسلطانهم الذي بسطوه بالأمس على الغرب وبنور مدنية الشرق التي أنارت على الغرب وماتزال وليس للغرب من شيء سوى شرف

الاتباع وإعلاء البناء من جهة، وعار التشويه والهدم من جهة أخرى. وليكون واقعيا أكثر، فإنه راح يضرب المثل بأزمة تساقط الوزارات الفرنسية من حين لآخر، وتناحر الأحزاب فيها، لا تتحكم فيها المصلحة الوطنية العامة بقدر ما تتحكم في تفرقاتها العواطف الشخصية والمصالح الذاتية وآخر هذه الأزمات أزمة استعفاء حكومة (تارديو)، وقد نبه الكاتب الفرنسي (ديبارميه) إلى هذا التحول في رأي النخبة المثقفة المسلمة والذي

1. المغرب، م. س.

2 المغرب، ع 30 (23 - 12 - 1930)

107

106