الصحف العربية الجزائرية
الجزء ١ · صفحة ٦ويبدو أن هذه الصحف والمجلات كانت تصل إلى الجزائر عن طريق تونس، حيث كانت المراقبة الفرنسية أخف وطأة أو عن طريق المغرب الذي كان لايزال يتمتع باستقلاله أو ما بين حقائب الحجاج، ولقد عبر أحد الكتاب الفرنسيين عن هذه الطرق السرية بقوله: لقد كان هنالك مجرى سري، ولكنه غزير ومتواصل من الصحف والمجلات الشرقية التي أعانت المغاربة في
مجهوداتهم الإصلاحية وجعلتهم مرتبطين أبدا بالرأي العام العربي. ومن ثم كان الصحفيون الجزائريون الرواد يعترفون دائماً بفضل الصحافة العربية الشرقية عليهم، سواء في ما أمدتهم به من غذاء فكري أو ما أفادتهم به من أخبار الوطن العربي والإسلامي، وما طبعت به أساليبهم من بيان رفيع 2
كما يعتبر الجو السياسي والاجتماعي الداخلي والخارجي من أهم العوامل في بعث الصحافة الوطنية، فإن الأوضاع التي كان يعيشها الوطن العربي والإسلامي قبيل الحرب العالمية الأولى وأثناءها وبعدها فتحت أعين الجزائريين، وعلمتهم كيف يستفيدون من الصحافة في سبيل المطالبة بحقوقهم، والتعبير عن مشاعرهم القومية والاسلامية والعمل الجاد في سبيل الخروج من تخلفهم والاتصال بالجماهير العريضة التي راحوا يبثونها أفكارهم الإصلاحية.
كل هذه العوامل مجتمعة ساعدت ولا شك مساعدة فعالة على نشأة الصحافة العربية في الجزائر، ولكنها لم تجد الطريق ذلولا ولا المسيرة سهلة بل إن جهاد الصحافة الوطنية الجزائرية في هذا المضمار طبع تاريخ حياتها، ورسم واقعها بطابع المقاومة المستمرة، لأنها اصطدمت منذ البداية بعدو استعماري لدود، غير أنها استطاعت أن تقاوم في دأب وصبر، مما جعل تاريخها حافلا بالصراع والمقاومة زاخرا بآيات التصميم والتحدي. ولعله مما يعين الدارس على تفهم تاريخ الصحافة العربية الجزائرية ولاسيما الوطنية منها بوجه خاص، التعرف أولا على هذا المناخ الخانق الذي نشأت فيه هذه الصحافة، فإن أول ما يلفت النظر لمتتبع تاريخ هذه الصحافة هو
1 أنظر Ali، Mered. La formation de la presse Musulmane en Algérie IBA
N° 105، 1 er Trimes
2 أنظر، محمد ناصر المقالة الصحفية الجزائرية، المجلد الأول ص 55 وما بعدها.
هذا التساقط المتتابع وهذا الانقطاع المستمر، فإن أغلبها لا تعد أعمارها بالسنوات ولكن بالشهور والأيام هذا على الرغم من أن الصحافة العربية في الجزائر لم تعرف سوى صحيفة يومية واحدة طوال الفترة الممتدة بين (1847 1939) وهي جريدة "النجاح" ويعود هذا أساسا إلى أن الصحافة العربية في الجزائر، كانت تعاني من الواقع الاجتماعي والسياسي الشاذ الذي فرضه الاستعمار الفرنسي على الجزائر، ومن ثم كان على هذه الصحف أن تعيش في صراع أبدي في سبيل حياتها، وتناضل باستمرار لتشق طريقها فقد كانت تواجه في آن واحد مستعمرا حقوداً يهددها بخنق الأنفاس كلما حلا له أن يفعل ذلك. وشعبا أميا جاهلا لا يمد لها يد المساعدة الأدبية بل المادية إلا في أندر الحالات. وطرقيين متعصبين وجامدين متزمتين رانت على قلوبهم غشاوة من نسيج قرون الانحطاط فخذلوا الناس عنها، فسعو ا لدى الدوائر الحاكمة ضدها بالوشاية وعقبات فنية وإدارية عديدة تبدأ من رخصة الامتياز التي لا يحصل عليها الأهالي إلا بعد طول تذلل واستجداء، وتنتهي بندرة وسائل الطباعة العربية أو فقدانها. على أن أعتى هؤلاء الذين جابهتهم الصحافة العربية الوطنية هم الحكام المستعمرون الذين كانوا يقطعون الطريق أمام انتشار الصحف العربية ويسارعون إلى مصادرة الوطنية منها بدون محاكمة.
الصحافة العربية الجزائرية والاستعمار الفرنسي:
بدأت الصحافة العربية في الجزائر بداية استعمارية بحتة وكانت جريدة المبشر الصادرة عن الولاية العامة، أول ما عرفه الجزائريون من الصحافة العربية في بلادهم. ففي سنة (1847) أمر الملك فيليب، ملك فرنسا بتأسيس هذه الصحيفة التي لم يكن صدورها باللغة العربية المكسرة (الدارجة) بجانب اللغة الفرنسية - طبعا - محبة للغة العربية أو تقديرا لها ولكن لكونها اللغة الوحيدة التي كان الشعب الجزائري يفهمها آنذاك. فأصدرت السلطة الاستعمارية هذه الصحيفة الرسمية لمقاصد سياسية استعمارية وهي أن يطلع الجزائريون في صفحاتها على التعاليم والقوانين الصادرة عن الولاية
11
•
01
10