الصحف العربية الجزائرية
الجزء ١ · صفحة ٧العامة ثم لتخذل بها الروح الثورية المقاومة التي ما انفكت تتقد بها قلوب المواطنين ضد عدوهم الصليبي. ومن ثم فإنها لم تخف نواياها حين صرحت بأنها ستعمل جاهدة في سبيل "القضاء على كل الوشاة أهل "الشيطنة على حد تعبير "المبشر نفسها. وهكذا استمرت هذه الجريدة في الصدور لا يعرف الجزائريون غيرها.
20
لقد أدرك الفرنسيون ما للصحافة من أثر في إنهاض الشعوب وآمنوا بدورها الفعال في يقظتها وبث الثقافة والوعي فيها، ولقد وصف "جان ميرانت وهو مسؤول في الولاية العامة بالجزائر، ومدير الشؤون الأهلية بها بقوله: "إن الجرائد هي هذه الآلة التي تجمع في وقت واحد بين البساطة والقوة … إنها هي التي شع منها النور فبدد الظلام الذي كان يلف الشعوب المتخلفة … غير. أن هذا الاعتراف يتحول إلى نكران سافر عندما. الأمر يصبح متعلقاً بصحافة عربية تهدف إلى إيقاظ عرب مسلمين، بل إن هذا المعترف نفسه يتحول إلى عدو لدود لتلك الصحافة كما تشهد بذلك مواقفه المعروفة من الصحف الإصلاحية في الثلاثينيات بصفة خاصة. وفي سنة (1881) أصدرت الحكومة الفرنسية قانونا بشأن حرية الصحافة بفرنسا ينص على: " أن كل جريدة أو نشرة دورية يمكن أن تكون موزعة على الجمهور بدون رخصة مسبقة أو كفالة مادية وقد نصت المادة (69) من هذا القانون على أن يكون نافذ المفعول في الجزائر أيضا 3.
ولكن ما إن صدرت أول جريدة عربية عن مصدر غير حكومي، حتى انتهكت حرية هذا القانون من طرف السلطات نفسها في وضح النهار، وكان إجراء متعسفاً اتخذته السلطة الحاكمة ضد جريدة "المنتخب" الصادرة في قسنطينة بعد ثمانية أشهر من صدور القانون السابق الذكر.
1 أنظر: 196. Jean Mirante، La Presse périodique arabe، Paris، 1907، p
2 المزيد من التفاصيل أنظر "المبشر" فيما يلي من هذا الكتاب
3 أنظر Claude Collot، Le Régime juridique de la presse musulmane algérienne
dans Revue algérienne des sciences juridiques no 2،2 o trimestre، 1969، p.348
وعلى الرغم من أن هذه الجريدة كانت تصدر باللغتين العربية والفرنسية معا، وعلى الرغم من أن صاحبها فرنسي، فإن هذا لم يشفع للجريدة، ذلك لأنها تجرأت على دعوة الحكومة الفرنسية إلى انتهاج سياسة تعتمد على المساواة بين الأوروبيين والأهالي المسلمين الجزائريين في الحقوق والواجبات. ولأنها نددت بجشع المعمرين في الاستيلاء على أملاك الأهالي، واستحواذ الأوروبيين وحدهم على السلطة في البلاد من هنا لم يكن خنق أنفاس هذه الجريدة كافيا، وحده، بل كان السجن والتغريم من العقوبات التي نزلت على مديرها أيضا. 2.
ثم أصبح هذا السلوك الجائر، وهذه المصادمة العلنية لنص القانون إجراء معروفا تتخذه السلطات الإدارية ضد كل جريدة تصدر باللغة العربية محاولة المطالبة ببعض الحق للأهالي أو تنزع للدفاع عنهم؛ كما كان ذلك مصير جريدة "الحق" العنابية التي حاولت كشف بعض الحيل اللاانسانية التي يستعملها اليهود ضد الأهالي المسلمين بغية الاستيلاء على أملاكهم 3، وحتى أولئك الولاة الذين يزعم أنهم عرفوا بتفهمهم النسبي لقضايا الأهالي، مثل (شارل جونار) 4.
كانوا يحذرون الحذر كله من أن يطلع القارئ العربي على مخازي السلطات الحاكمة في الجزائر. يدلنا على ذلك السياسة التي انتهجتها جريدة "الأخبار" الحكومية الصادرة في عهد (جونار)، فقد أضافت لنسختها الأصلية الصادرة باللغة الفرنسية منذ سنة (1839) نسخة أخرى باللغة العربية وذلك ابتداء من سنة (1903)، وكان رئيس التحرير فيكتور" "باروكان في النشرة الفرنسية من الجريدة ينتقد السياسة الاستعمارية المتطرفة ويقاوم الأحقاد العنصرية، بينما كان - في العدد نفسه يكتم على قراء النسخة العربية ما يبديه لقراء النسخة الفرنسية.
2. انظر المصدر السابق ص 349 أنظر جريدة "الحق" العنابية فيما يلي من الكتاب
4 شارل جونار، كان واليا عاما على الجزائر مرتين، الأولى ما بين (1900) - (1911) والثانية ما بين (1918.
(1921
13
12