الصحف العربية الجزائرية من 1847 إلى 1954 محمد بن صالح ناصر

الصحف العربية الجزائرية

الجزء ١ · صفحة ٦٢

إننا لا نجهل أن للصحافة العربية دائرة ضيقة لا يؤذن لها بمجاوزها ولكننا نرجو من الحكومة أن تكون أوسع صدرا وأكثر حلما، فإن تيار حرية الصحافة الفرنسية كثيرا ما يحمل أصحاب الصحف العربية فيخرجهم من دائرتهم، وكل شيء يعدي حتى الحرية، ومادامت الحكومة تعرف منا حسن النية فليس تسامحها معنا بعجيب 1.

39 - النور (الجزائر) (1931 - 1933)

ذات

برز العدد الأول من جريدة النور بمدينة الجزائر في 15 سبتمبر 1931 وكانت تطبع بالمطبعة العربية التي يملكها الشيخ أبو اليقظان نفسه. لم تختلف "النور" عن جرائد أبي اليقظان السابقة في حجمها أو عدد صفحاتها أو اتجاهها، فهي في مثل حجم وادي ميزاب والمغرب، وفي أربع صفحات كبيرة تخصص الصفحة الرابعة منها للإعلانات غالبا، وهي اتجاه اصلاحي متحمس شأنها في ذلك شأن صحف أبي اليقظان الأخرى، كما أوضح ذلك وهو يذكر بعض أغراض جريدة النور .. إنما الغرض من إنشاء جريدة "النور" وإرسال أشعته إلى الدور والقصور، هو تنوير الأذهان، وتثقيف العقول وتهذيب النفوس، وتعريف المسلمين للمسلمين وإنعاش روح المؤمنين بانتعاش روح المخلصين الصادقين، وتقوية القلوب الضعيفة وتطهيرها من الخور، والجبن واليأس والقنوط، وملؤها بروح الأمل والرخاء، وتعميم الأخوة وتنمية المحبة الانسانية الاسلامية بين المتساكنين المسلمين والإشادة بذكر الفضيلة ودعوة الناس إليها، ومقاومة آثار الرذيلة وتحذير الناس منها 2.

ومن ثم نستطيع القول بأن جريدة "النور" جاءت استمرارا للمسيرة التي بدأتها قبلها كل من جريدة وادي ميزاب، ميزاب والمغرب

1 الشهاب ج 4 م 7 أفريل 1931.

2. النور ماله وما عليه، ع 58 (22 - 11 - 1932).

في الإتجاه الإصلاحي: المثال ذلك في عنايتها بالأخلاق الفاضلة ودعوتها الحارة إلى العلم لمقاومة الجهل ومحاربتها العنيفة لكل مظاهر الخذلان والتفرقة على الصعيد الوطني والقومي والديني وبمقاومتها سموم التفرقة والإباحية والشيوعية وباهتمامها باللغة العربية وآدابها بما كانت تنشره من روائع الشعر القديم والحديث، وبفتحها المجال واسعا أمام الأقلام الشابة تشجيعا وتوجيها وتنمية للنبوغ والإبداع وتابعت الحركة الإصلاحية متمثلة في نشاطات جمعية العلماء المسلمين من جهة، وفي نشاطات الحركة الإصلاحية في ميزاب من جهة أخرى، ولذلك استطاعت أن تمزج بطريقة ذكية بين نواحي الحياة كلها، السياسية، الثقافية الاقتصادية والاجتماعية ولعل اللافت للنظر في هذه الجريدة هو أن أغلب مقالاتها الافتتاحية لم تكن اليقظان، وهو أمر يختلف تمام الاختلاف عن الصحف السابقة واللاحقة لابي فلم يعد أبو اليقظان يكتب بمثل الغزارة والاستفاضة التي عرف بها حين أسند مهمة كتابة المقالات الافتتاحية للشيخ عدون بن بلحاج شريفي وهو من المتحمسين للفكرة الإصلاحية قولا وعملا، وكان يوقع مقالاته اسم "سعيد". ولعل أبا اليقظان اضطر إلى ذلك لأنه سافر إلى مسقط رأسه "القرارة الاستراحة والاستجمام بعد عناء هذه السنوات الطويلة الشاقة، ولعله أراد بذلك ضمان سير الجريدة واستفادة القراء منها وتفويت الفرصة على المستعمر الذي يتربص بقلم أبي اليقظان الدوائر فقد أصدر الأمر بتعطيل كل تلك اللهجة من الصحف يحمل اسم أبي اليقظان وما كان ما يصدر في باستطاعة أبي اليقظان أن يبيع ضميره أو قلمه، فكان السكوت بالنسبة إليه أولى، ومن ثم غاب عن العاصمة ما يقرب من سنة كاملة. والحق أن الشيخ عدون أو "سعيد"، كما كان يوقع مقالاته، قد قام بمهمة تحرير المقالات الافتتاحية وتسيير شؤون الجريدة بجدارة واستحقاق يدل على ذلك انتظامه، وانضباطه وغزارة قلمه السيال وبما أن الاهتمامات التي كانت تستبد بالشيخ عدون آنذاك، وهو المحرك القوي لحركة التعليم الإصلاحي بميزاب هي محاربة الجهل والأمية بأبعادهما وخلفياتهما، فإنه راح يشن حربا قلمية ضد الجمود الفكري والتحجر العقلي الذي كان يرفع

119

118