الصحف العربية الجزائرية
الجزء ١ · صفحة ٦٣لواءه ثلة من متزمتي الفكر وقاوم النزعة المادية التي أخذت تتفشى في الأوساط ولاسيما إبان الأزمة الاقتصادية والتي كانت سببا في انقطاع كثير من الشباب عن متابعة دراستهم والتحاقهم بالميدان التجاري وهم أحوج ما يكونون إلى التكوين والتربية والتعليم. وبجانب الشيخ عدون نجد قلما سيالا آخر رابط في أعمدة صحافة أبي اليقظان منذ نشأة وادي ميزاب وهو قلم الشيخ عبد الرحمن بن عمر الذي كان يوقع مقالاته باسم "البكرى على أن اهتمامات "البكرى تختلف عن اهتمامات "سعيد"، فقد اتجه هذا الأخير إلى معالجة المواضيع المتعلقة بالاقتصاد منطلقا من واقع أليم كان يعصر العالم كله في أزمة اقتصادية خانقة، ورغبة من الكاتب في البحث عن هذا الجانب الحيوي الذي لا نهوض لأمة من الأمم بدونه وقد ساعده في كل ذلك إطلاع واسع، ومتابعة متفتحة دائمة للتطورات التي تجري في هذا الصدد بحكم ممارسته العملية للميدان التجاري، وثقافته
الفرنسية التي يطلع من خلالها على أحدث ما يكتب في هذا السبيل أما في إطار الحركة الإصلاحية بصفة عامة فقد تابعت الجريدة حركة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، فكانت تغطي تحقيقاتها الصحفية نشاطات الجمعية الفكرية والثقافية وتنقل للقراء ما يجري في اجتماعات الجمعية من أخبار وبيانات وتفيدهم بما تتمخض عليه تلك الاجتماعات من نظم وقرارات واهتمت هذه الجريدة بنشر بعض المقالات المنقولة غالبا عن الصحف المشرقية، وهي مقالات يعالج أغلبها الحركة البلشفية العالمية وموقف الاسلام والمسلمين منها، وكأني بأبي اليقظان إنما كان يهدف من وراء نشره لتلك المقالات ليبين من خلالها موقفه المعادي الصريح للحركة البلشفية، فقد تكرر اتهام السلطات الاستعمارية له بالنزعة الشيوعية إذا اتهموا صحيفته "وادي ميزاب" بهذا الاتجاه، لا لشيء إلا لأنها تقاوم النزعة الاستعمارية وحاولوا إلصاق التهمة نفسها بـ "الفرقد وهو من ألمع أقلام صحافة أبي اليقظان، وهو ما جعل صاحب جريدة "النور ينشر بيانا موقعا من سبعة وعشرين شخصا يحتجون فيه ضد الحزب الشيوعي في الجزائر لمحاولته استدراج سليمان بن يحي بوجناح أو "الفرقد" إلى صفوفهم 2.
1. أنظر فهرس جريدة "النور" في كتاب "أبو اليقظان وجهاد الكلمة.
2. انظرع 58 من النور.
ولعله من أطرف محتويات "النور" تلك الفصول الممتعة الخفيفة التي كان حررها "لقمان" تحت عنوان خواطر وسوانح يتعرض فيها لمعالجة بعض المواقف في الحياة والمجتمع بأسلوب فكاهي ممتع فيه غير قليل من التهكم والسخرية.
النور والمغرب الأقصى:
وإذا علمنا من جرائد أبي اليقظان السابقة اهتمامها البالغ بالمغرب العربي بما كانت تنشره من أخبار أو باحتضانها لإنتاج كتابه أو شعرائه، فقد أكدت الدور على هذا الاتجاه بصفة لافتة للنظر حقا، فقد فتحت الجريدة صدرها واسعا للأقلام المغربية، ولاسيما الأقلام الإصلاحية فيها، فشارك في الحريرها كتاب من فاس ومراكش، وغيرهما يملأون صفحاتها بمقالاتهم و قصائدهم، وأقبل الشعب المغربي الشقيق يشد من أزر جريدة "النور" مقبلا على قراءتها بتلهف، مما جعل رواجها بالمغرب أكثر من رواجها بالجزائر افسها، ولعل المغاربة وجدوا في صراحتها وصدقها تعويضا لهم عن مفهم العربية الوطنية التي كان الاستعمار يشدد عليها الخناق. ومن أشهر الكتاب والشعراء المغاربة الذين كانوا يشاركون بمقالاتهم و قصائدهم من أصبح علما من أعلام الفكر والأدب في المغرب اليوم من أمثال عبد الهادي الشرايبي، ومحمد بن محمد مكوار، ومحمد بن عباس القباج، محمد الطائع الكتاني والمكي بن ادريس العمراوي وغيرهم. أما الشيخ محمد القري، فقد كان وكيلا رسميا، وممثلا لجرائد أبي اليقظان المغرب ومراسل جرائده الخاص. وغداة عطلت النور لأسباب سنذكرها، وردت على أبي اليقظان رسالة مؤثرة 1 بعث بها إليه من يسميه "مراسلنا الخاص بفاس وأقدر أنه الأستاذ محمد فقد كان وكيلا للنور بفاس كما صرح بذلك أبو اليقظان في غير هذا القري، المكان.
ونحن نورد هنا بعض المقتطفات من تلك الرسالة التي نستدل منها على هذه الروح الوطنية الفياضة التي كانت تربط بين الأشقاء في الفرح والترح وتنبئ عن هذه الأخوة الصادقة التي كانت تتفجر عن إيمان عميق بوحدة المصير المشترك.
1. المخطوط ص 100
121
120