الصحف العربية الجزائرية من 1847 إلى 1954 محمد بن صالح ناصر

الصحف العربية الجزائرية

الجزء ١ · صفحة ٦٥

و بمثل هذا الانعطاف القوي، والتعلق الأخوي الصادق اهتمت بأبناء العالم الإسلامي، فكان لها قراؤها المنتشرون في المشرق العربي في القاهرة وبغداد وطرابلس وعمان، وامتدت حتى وصلت زنجبار شرقا وكانت أفئدة القراء هناك تهوي إليها، وتنتظر بروزها بفارغ صبر آية ذلك ما كان يتلقاه صاحبها من رسائل الإعجاب والتأييد.

وقد نشر أبو اليقظان بعضا منها لمناسبة دخول النور سنتها الثانية شهادة غالية كهدية لمن يخرف بملء شدقيه ويقول: إن جريدة النور طائفية يا للخجل وياللعار. النور وفلسطين:

وكانت تسوق تلك الأنباء بأسلوب جعلت أعين القراء "تنظر إلى الاسلام بعين طموحة إلى المجد والفخار وأنمت بذلك العلائق الدينية والاجتماعية بين أبناء القطر الجزائري وبينهم وبين العالم الاسلامي قاطبة ويبدو أن اهتمامها بالقضية الفلسطينية بالذات واحتفالها بأخبارها ومتابعة مجريات الأحداث في الوطن المحتل هو الذي جعل الجرائد الفلسطينية ذاتها تهتم بإهداء التهاني بمناسبة دخول النور سنتها الثانية معبرة في ذلك عما تحمله نحوها من إكبار وتقدير، فهي عندهم مازالت سائرة على الخطة التي ارتسمتها لخدمة قضية القطر الجزائري خاصة وقضية العرب عامة.

فعلت الجريدة كل ذلك في وقت كانت الأخطار تحف بها من كل مكان … من شدة الأزمة الاقتصادية العالمية الآخذة … الخناق ومن تسمم الجو السياسي وضيق مجال الكاتب فيه وانقطاع منابع الثروة الأدبية عنه، إلى جانب ما كانت تلقاه الصحافة العربية في الجزائر بعامة من عنف وإرهاب من طرف المستعمر، وعدم التشحيع المادي والأدبي من طرف القراء من جانب آخر كهروب كثير من المشتركين عن أداء واجب اشتراكهم .. - 2.

1. أنظر النور، ع 50 (27 - 9 - 1932). 2. أنظر النور، ع 50 (27 - 9 - 1932).

النور والقراء: ويبدو أن معاناة أبي اليقظان من جانب القراء كانت عظيمة وما كان له أن يحتمل هذه الأعباء الباهظة لولا إيمانه الراسخ بأن ما يهدف إليه من وراء صافته ليس هو الربح المادي وإنما حسبه أن يؤدي واجبه الوطني نحو الجزائري بخاصة وأمته الاسلامية بعامة، وعن أمثال هذه المواقف ول: "ليس الغرض من إنشاء الجريدة، وتحريرها، وبذل الجهود في تنسيقها والتخليعها، وتصفيفها، وتصحيحها وتنقيحها وطبعها ولفها وتجهيزها وارسالها وتحمل مصاريف وجهود ليس الغرض من ذلك كله زفها كعروس الحضرة القارئ، ثم إهماله لها وزهده فيها وتركها ملفوفة في لفافها غير آبه بها ا شاعر بقيمتها، ولا عالم بما فيها وإذا سئل عن ذلك يقول: "إن الأشغال و الأزمة، والوقت لم تترك لنا قسمة حتى لننزع عنها لفافها، وربما يتجاوز ذلك ويقول: "نحن لا نقرأ (الجرنان) ولا نحب (البوليتيك) وأنها وطرف الكاغط واء وحظها لا يزيد عن لف البضائع فيها، ولم يتخذها أصحابها في الحقيقة الاتجارة لجلب الدينار والدرهم وغير ذلك مما يستفز نفس الحليم .. والحق أن معاناة أبي اليقظان من هذا الجانب كانت شاقة. وقعنا على بعض الأعداد من جريدة النور وهي تحمل ختم البريد وبجانبها كلمة مرفوض أي ترجع إلى المرسل وتلك شهادة صادقة ملموسة عن موقف القراء من صحافتهم العربية. لقد اتسمت صحافة أبي اليقظان بهذا الموقف الواعي الذي تجاوز حدود الوطن الضيق إلى حدود أرحب على النحو الذي ذكرناه، في حين لم يجد فيه أبو اليقظان من صحافة البلاد العربية والمشرقية فيها خاصة الإحسان بالإحسان، والاهتمام بالاهتمام، ولعل تلك الجرائد التي كانت تعتبر غذاء روحيا للصحافة الجزائرية، كانت تستنكف أن تتنازل. أنه جرت التقاليد الصحافية أن تتبادل الصحافة العربية في سائر الأقطار الأعداد استفادة من التجربة، وإطلاعا على الأخبار، وربطا لأواصر

ويبدو

الإتحاد والتضامن.

1 النو ما له وما عليه، ع 2258 - 11 - 1932)، ع النور 62.

وعسيرة، فقد

125

124