الصحف العربية الجزائرية من 1847 إلى 1954 محمد بن صالح ناصر

الصحف العربية الجزائرية

الجزء ١ · صفحة ٧٦

1 رأينا منها في المكتبة الوطنية بباريس تسعة أعداد وكان العدد التاسع يحمل تاريخ (23 - 4 - 1933). ونحسب أن الدافع الحقيقي لإبراز هذه الجريدة، هو الوقوف أمام النشاط المعادي "للعلماء" الذي بدأت تطبقه "جمعية علماء السنة المنشقة عن جمعية العلماء منذ سبتمبر من (1932) وليس أدل على نيتها هذه اتخاذها اسما لها "السنة النبوية وهو تعريض واضح، لمن أطلقوا على أنفسهم. "علماء السنة وهم يسيرون في ركاب الاستعمار وهو يدل أيضا على الغاية التي من أجلها أسست هذه الحركة الإصلاحية، منذ بروز المنتقد في سنة (1925) وهي نشر الدين الاسلامي صحيحا من كل الخرافات والأباطيل التي علقت به في أعقاب الطرقية المبتدعة، والرجوع إلى منابعه الصافية كما كانت في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته وتابعيه.

وكانت الجريدة، تحت إشراف رئيس جمعية العلماء الشيخ ابن باديس أما رئاسة تحريرها فقد تكفل بها عضوان من إدارة الجمعية عرفا بملاحقتهما الشديدة للبدع والخرافات، اشتهر أحدهما بخطبه الحماسية المؤثرة وهو الشيخ الطيب العقبي، واشتهر ثانيهما بكتاباته الاسلامية الراقية، وأسلوبه السلس المشرق وهو محمد السعيد الزاهري، ولعله مما يوضح لنا هوية الجريدة وأهدافها اقتباس بعض الفقرات مما جاء في افتتاحية عددها الأول مكتوبة بقلم رئيس الجمعية ابن باديس: "رأينا كما يرى كل مبصر ما نحن عليه معشر المسلمين - من انحطاط في الخلق، وفساد في العقيدة، وجمود في الفكر، وقعود عن العمل، وانحلال في الوحدة، وتعاكس في الوجهة، وافتراق في السير، حتى خارت النفوس، وفترت العزائم المتقدة …

إذا كان هذا هو الواقع المر كما يصفه ابن باديس، وما أشبهه بذلك الواقع الذي تكلم عنه في افتتاحية المنتقد قبل تسع سنوات .. فإنه لا علاج لهذه الأمة العربية الاسلامية إلا أن تعود إلى أصالتها متمثلة في قرآنها وسنتها … وفي وحده ما يرفع أخلاقنا من وهدة الانحطاط، ويطهر عقيدتنا من الزيغ والفساد، ويبعث عقولنا على النظر والتفكير، ويدفعنا إلى كل عمل صالح ويربط وحدتنا برباط الأخوة واليقين، ويسير بنا في طريق موحد مستقيم ....

هذا

1. أصدرت جريدة "الاخلاص لمعارضة العلماء" في 19 - 12 - 1932) و المعيار" في (16 - 12 - 1932) للغرض

وقد فتحت "السنة" صدرها واسعا لأقلام الكتاب ناثرين وشعراء يتبارون على صدر صفحاتها الأربع على الكتابة العربية المشرقة، ولعل أبرز هؤلاء الكتاب هو محمد السعيد الزاهري الذي يمتاز أسلوبه بالسلاسة والعمق في آن

واحد

وكتاباته تنبئ عن اطلاع واسع عن وضعية الاسلام والمسلمين لا في الجزائر وحدها بل في العالم كله. ولكن السلطات الاستعمارية التي كانت تتوجس خيفة من هذا الاتجاه الاصلاحي الوطني سرعان ما راحت تشن حملة مسعورة ضد رجال جمعية العلماء، مدفوعة من طرف جمعية علماء السنة وبناء على طلبهم، فأصدر الكاتب العام لولاية الجزائر العاصمة منشورا مؤرخا بـ 1933/ 2/16 يمنع فيه الوعظ والارشاد في المساجد لغير العلماء الذين تعينهم السلطات الاستعمارية، وكونت السلطة من أجل السهر على تطبيق هذا القرار لجانا في كل عمالة من العمالات الجزائرية الثلاث. وما عتم وأن صدر قرار وزير الداخلية 2 يقضي بتعطيل جريدة "السنة" دون

محاكمة.

فكان من رجال السلطة إلا أن أرسلوا شرطتهم صبيحة أول يولية من سنة (1933) لحجز الأعداد الموجودة منها في السوق 3. وروعت الأمة بنبأ تعطيل جريدة السنة بقرار من وزير الداخلية وتساقطت على ادارتها رسائل الاستياء والتعجب، ولم يكن تعجب الناس من تعطيل جريدة دينية بعيدة كل البعد عن السياسة، دون استيائهم من عرقلة جمعية العلماء عن عملها الديني التهذيبي الذي ذاقت الأمة حلاوته، وشاهدت جميل اثره .. 4.

1. انظر: 374. C. Collot، Le Régime juridique، p 2 هذا القرار مؤرخ بـ 22 (1933) انظر 374. C. Collot، p 3. المرصاد، ع 52 (7 - 7 - 1933).

4 الكلمات لابن باديس، انظر الشريعة، ع 1 (17 - 7 - 1933).

147

نفسه.

146