الصحف العربية الجزائرية من 1847 إلى 1954 محمد بن صالح ناصر

الصحف العربية الجزائرية

الجزء ١ · صفحة ٨٢

فأسسنا هذه الجريدة تحت اسم "البستان" اشعارا" بما ستحمله إلى قراهها الكرام من كل ما يحمله البستان من أنواع الثمار والفواكه، والبقل والزهور والرياحين بإذن الله.

إذا فالدوافع التي ذكرها أبو اليقظان هنا ثلاثة:

1 - صحافة بسيطة الأسلوب والأفكار تسايرها الطبقة ذات المستوى الثقافي المحدود، وتتجاوب معها، وتستفيد منها. 2 - افساح المجال للأقلام ذات الاتجاه النقدي الفكاهي

3 - الأزمة الاقتصادية الخانقة التي غيرت طبائع الناس، فأصبحوا في حاجة إلى صحافة فكهة، خفيفة الروح، ترفه عنهم وتسليهم. ونزعم أن ما ذكره أبو اليقظان من الأسباب هنا، ليست هي الأسباب المباشرة لصدور "البستان بل أن الأسباب الحقيقية هو ما ذكره عندما راح يؤرخ لصحافته بعد نيف وثلاثين سنة من هذا التاريخ، وذلك حيث يقول: "وقد غيرنا أسلوبنا الدسم، فاتخذنا جريدة "البستان" جريدة هزلية فكاهية وتوارينا فيها كذلك باسم الأخ تعموت، كما فعلنا في جريدتنا "المغرب" علنا نسلم من عوائق التعطيل ويقول في مكان آخر، إنما فعل ذلك "مبالغة في الحيطة 2 فالدافع الأساسي إذا هو التحايل أمام سلطة جائرة … والحق أن اللجوء إلى مثل هذا الأسلوب كثيرا ما عرفت به عهود الظلم والاستبداد في العالم كله.

والذي انتهينا إليه وفقا لمحتويات الأعداد العشرة من "البستان نفسه هو أنه على الرغم من اعتماد أبي اليقظان أسلوب الفكاهة والتهكم، والسخرية فإن المحتويات الفكرية لم تختلف في شيء عن محتويات جرائده السابقة، وإن المبادئ والأهداف التي دعا إليها هناك هي التي ظل يدعو إليها هنا. ولعل الشيء الوحيد الذي تخلى عنه هذه المرة وهو أمر طبيعي - هو هذا الإسهاب الذي عرفت به مقالاته، وهذا الإلحاح الشديد على الفكرة المحورية للمقال يقتلها تحليلا، وشرحا إذ أن أغلب المواد الفكرية للبستان خواطر سريعة، مركزة، تعالج في الأغلب الأعم مواضيع اجتماعية، اصلاحية أو

1. نشأتي (مخطوط) ص: 50.

2. تاريخ صحف أبي اليقظان (مخطوط) ص: 94.

دراسية، وكلها مصبوبة في قوالب جذابة، فهي فكاهية مضحكة حينا، المرة موجعة حينا آخر صريحة نافذة تارة رامزة موحية تارة أخرى، إنها في سرعتها وخفتها وانتقالها من فكرة إلى أخرى أشبه بالطلقات السريعة ولكنها مصيبة، ناجعة.

هذا الأسلوب هو الذي يبعد عن القارئ الملل والسأم اللذين قد يلحقانه من متابعة المقالات والمسلسلات المطولة التي تميز الجرائد الأخرى. فتلاحظ مثلا بأن الافتتاحية التي صبت في فقرات موجزة، كانت تنصب كلها على معالجة الأخلاق العامة، ولاسيما ما شاع في الأوساط الاجتماعية ابان الأزمة الاقتصادية من أنانية وأخلاقيات مادية، وتواكل، وتهرب من المسؤولية، وازورار عن المشاريع الخيرية ذات النفع العام … الخ. ومن ثم كثيرا ما يكون عنوان المقال أو الخاطرة، كلمة .. عامية .. شائعة على السنة الناس تعبيرا عن هذه الطبائع المخلة. ولنأخذ لهذا مثلا من هذه العناوين التي كانت شائعة على ألسنة الناس يتخذونها مقياسا يقيسون بها الأخلاق ويبنون على أساسها علاقاتهم الاجتماعية.

ويعالج أبو اليقظان من خلال كل "مثال عامي آفة من الآفات الاجتماعية لمن خلال قولهم مثلا كلامك" هو الكبير" يتناول ظاهرة التملق والنفاق و التظاهر بسماع النصيحة مع الإصرار على الموقف المنحرف ومن خلال قولهم "أي هكذا" ظاهرة التقليد الأعمى والتبعية المطلقة لاصحاب النفوذ دون تفكير أو ثبات على موقف ذاتي شخصي، مما أشاع التذبذب والنفاق بين صفوف العامة. ومن قولهم مازال الحال" ظاهرة التسويف والمماطلة، واخلاف الوعد … والكسل. ومن قولهم انظر المقدمين" ظاهرة التهرب من المسؤولية، خوفا أو جبنا أو أنانية والاتكال على جماعة معينة ألفت العامة أن تعول عليهم وتلقي عبء القيادة والزعامة على كاهلهم.

1. البستان، ع: 6 (6 - 6 - 1933).

159

158